بعد هذا انتقل النصّ إلى بيان حالة التحسّر والنّدم والأماني الّتي يكون فيها المتحدّث عنهم فيه ، وجاء هذا ضمن صيغة تشمل كلّ مجرم كافر ظالم يومئذ ، فيقدّم لقطة من حركات الظّالم وأقواله بعد حسابه ، وفصل القضاء بشأنه ، فقال اللّه عزّ وجلّ :
وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ يَقُولُ يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ( 27 ) يا وَيْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا ( 28 ) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جاءَنِي وَكانَ الشَّيْطانُ لِلْإِنْسانِ خَذُولًا
( 29 ) .
ففي هذا البيان لقطة من مشاهد أحوال الكافر الظّالم يوم الدّين ، فبعد محاسبته وفصل القضاء بشأنه يعلن ندامته وتحسّره ، ويتمنّى أمانيّ فات أوان تحقيقها ، ولا رجعة لاستئناف رحلة الامتحان .
أمّا ندمه فقد جاء التعبير عنه بعبارة
يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلى يَدَيْهِ
إذ العضّ على اليدين يكون أحيانا حركة تلقائيّة في حالة النّدم والتّحسّر ، فحين لا يجد الظّالم لنفسه جهة غير ذاته يطرح عليها غضبه ، يتّخذ وسيلة يؤلم بها نفسه بنفسه ، وأقرب ذلك مع الاحتفاظ بمظهر الوقار والثّبات العضّ على اليد ، وحين يؤلمه العض على إحداهما يتركها ويعضّ على الأخرى ، وهكذا على سبيل التّناوب .
فالتعبير بالعضّ على اليدين كناية عن شدّة ندمه وغضبه من نفسه ، ولا يلزم من هذه الكناية أنّ التّعبير هو من قبيل المجاز لا الحقيقة ، بل هو مستعمل على سبيل الحقيقة ، والمعنى الآخر يفهم باللّزوم الذهني كسائر الكنايات .
وجاء البيان شاملا كلّ ظالم ليأخذ صفة القضيّة العامّة ، وليدرك المتحدّث عنهم في السّياق ، وهم المكذّبون بالساعة ، الّذين لا يرجون لقاء اللّه ، أنّهم داخلون في عموم الظّالمين .