نظرت في أقوال أهل التأويل فلم أجد فيها شيئا مرفوعا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولا كلاما مؤيّدا بمفاهيم قرآنية ، ورأيت أن القضيّة هي من الأمور الأخرويّة الغيبيّة التي لا تقال من قبل الرأي .
ثم نظرت في النصوص القرآنيّة فوجدت أنّ اللّه وصف الجنّة بأنّها حسنت مستقرّا ومقاما ، ووصف النّار بأنها ساءت مستقرّا ومقاما ، كما جاء في أواخر سورة ( الفرقان ) التي نتدبّرها ، وقد عرفنا معنى كلمة « مستقر » أما كلمة « مقام » فتطلق بمعنيين :
المعنى الأول : الإقامة .
المعنى الثاني : موضع الإقامة .
وسمّى اللّه الجنّة « دار المقامة » والمقامة في اللّغة مثل الإقامة ، فقال اللّه عزّ وجلّ في سورة ( فاطر / 35 مصحف / 43 نزول ) يصف حال أهل الجنّة في الجنّة :
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ ( 33 ) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ( 34 ) الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ
( 35 ) .
واستبعادا للترادف بين كلمتي « مستقرّ » و « مقام » لا بدّ أن نفهم أنّ إحداهما تدلّ على المكان ، والأخرى تدلّ على الحدث .
فكلّ من الجنّة والنّار مكان استقرار ومكان إقامة ، وكلّ منهما يحصل فيه استقرار وإقامة .
ومن لطيف البيان الجمع بين الكلمتين لتحمل إحداهما على معنى المكان ، ولتحمل الأخرى على معنى الحدث ، مع صلاحيّة كلّ منهما للمكان والحدث معا .