أي : أجرينا فيه مقتضى القانون الّذي جعلناه للأعمال بخلقنا ، نظير إجراء قانون إحراق النّار جسد من دخل فيها .
ويظهر أنّ إجراء مقتضى هذا القانون بالنّسبة إلى أعمال المشركين وسائر الكافرين ، بإلغاء أثرها في موازين اللّه للجزاء الأخروي ، يكون منذ انتهاء رحلة الحياة الدّنيا بالموت ، والدّخول في أحوال الآخرة ، بدءا من خطوة الموت ، فما بعد الموت ، وهكذا حتّى المصير الأخير ، فلا يكون لأعمالهم الحسنة الّتي عملوها في الحياة الدّنيا أثر ما في مرحلة البرزخ ، ولا عند البعث ، ولا في موقف الحشر ، ولا في موقف الحساب وفصل القضاء ، ولا في دار عذابهم يوم الدّين . ويقتصر أثرها على الآثار الّتي تحصل بمقتضى سنّة اللّه في الحياة الدّنيا ، كصيت حسن ، ومكانة عالية بين النّاس ، وعطايا من لذّات وأموال وبنين ومساكن طيّبة ، وخدم وأنصار وأعوان وغير ذلك .
* * *
وبعد بيان ما يتعلّق بحال المشركين وسائر الكافرين بدءا من أوّل لحظات رؤيتهم للملائكة عند الموت ، عرض اللّه عزّ وجلّ بيانا يتعلّق بالفريق السّعيد ، وهم أصحاب الجنّة ، على طريقته في القرآن من الجمع بين بياني الإنذار والبشارة في النّصوص القرآنيّة ، فإذا سبقت المنذرات تبعتها المبشّرات ، وإذا سبقت المبشرات جاءت بعدها المنذرات ، فقال اللّه عزّ وجلّ :
أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا
( 24 ) .
أَصْحابُ الْجَنَّةِ :
أي : أهلها الملازمون لها ملازمة الصّاحب للصّاحب ، قرارا ربّانيا قبل أن يدخلوها ، وحقيقة واقعة قائمة بعد أن يدخلوها ، وهم المؤمنون المتّقون بدءا من أدنى مستويات الإيمان المقبول