أو نبات أو جماد . إنّه سبحانه متى شاء ذلك جعل في ذات متلقّي وحيه الاستعداد لتلقّي الوحي ، فيوحي إليه ، دون أن يسلبه صفاته العامّة السّابقة .
والمنكر لهذا بعد ثبوته بالبرهان العقليّ يتّهم الرّبّ الخالق سبحانه بالعجز عن شيء هو من صلاحيّات قدرته .
وبما أنّ هذه هي سنّة اللّه في جميع المرسلين السابقين بدون استثناء ، فإنّه سبحانه لا يغيّر سنّته هذه استرضاء منه لتشّهيات الكافرين التعنتيّة العناديّة ، الّتي لا تستند إلى مقتض عقلي ، أو إلى مقتض من سوابق أحوال الأنبياء والمرسلين .
بعد هذا يظهر لنا أنّ أصحاب المقالة : إن كانوا يجهلون أنّ الرسل السابقين كانوا يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق كسائر الناس لكسب أرزاقهم وتحصيل معايشهم ، فباستطاعتهم أن يسألوا أهل الكتاب من قبلهم ، ليعلموا منهم أن رسل بني إسرائيل كانوا كذلك .
لكنّهم لا يجهلون هذه الحقيقة ، فهم إذن متعنّتون ، وحسبهم أن يسمعوا جوابهم من خلال خطاب اللّه لرسوله ، دون أن يستحقّوا المواجهة بالخطاب ، فالذي هو أهل لأن يواجه بالخطاب ينبغي أن تكون لديه شبهة حقيقيّة ، لا تعلّة تعنّتيّة .
القضية الثانية : معالجة نفس الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم مع تربية الدّعاة إلى سبيل اللّه من بعده تجاه جملة مقالات الكافرين فيه وأعمالهم ، منها ما سبق بيانه فيما أنزل قبل سورة ( الفرقان ) ومنها ما جاء بيانه في سورة ( الفرقان ) ومنها أنواع أذى لم يذكرها القرآن .
وهذه المعالجة مع تربية الدّعاة إلى سبيل اللّه من بعد الرّسول كان من الحكمة الرّبّانيّة فيها بيان حقيقة من حقائق حكمة اللّه في إيجاد ظروف هذه الحياة الدنيا .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 434
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٤٣٤