وإذا قال قائل : إنّنا نجد في سورة ( القلم / 68 مصحف / 4 نزول ) قول اللّه عزّ وجلّ لرسوله .
فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ
( 48 ) .
ونجد في سورة ( المزّمّل / 73 مصحف / 3 نزول ) قول اللّه عزّ وجلّ لرسوله :
وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا
( 10 ) .
فلم لم تذكرهما ضمن مراحل التنزيل السابقة ؟
فالجواب : أنّ هذين النّصّين مدنيّان تنزيلا ، ضمّا إلى سورتين هما من أوائل التنزيل المكي . والحكمة من ذلك أنّ الرّسول إبّان نزول سورتي القلم والمزّمّل لم يكن بحاجة في شخصه إلى مثل هذا التوجيه الشّديد للصّبر ، فقد كان محقّقا في ذاته هذه الصفة .
لكنّ هذه المرحلة سيصادف الدعاة إلى اللّه نظيرها في مسيرة دعوتهم ، وهم بحاجة إلى توجيههم للصّبر عندها ، فكان من الحكمة البيانيّة التربويّة توجيههم للصبر على ما ينالون من أذى وضرّ في دعوتهم إلى سبيل ربّهم .
واقتضى الأسلوب التربويّ أن يوجّه الأمر بالصّبر لرسول اللّه أوّل المسلمين ، الذي حقّق المطلوب منه فعلا قبل توجيه الأمر له ، ليفهم الدّعاة من بعده أنّهم هم المقصودون بالتوجيه ، وأنّ الأمر بالصّبر عامّ شامل لكلّ داع إلى اللّه ابتداء من الرسول أوّل الدّعاة ، حتى آخر داع إلى اللّه ما توالت القرون من بعده .
وليفهم المجتهدون المستنبطون للأحكام أن الأوامر والنواهي الموجّهة للرّسول هي أوامر ونواه موجّهة لكلّ تابع له من أمّته ، ما لم يكن الأمر والنّهي من خصوصيّات الرّسول بالنّص .