تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 429

مساهمون:

ص٤٢٩
ويأتي الفتن في اللّغة بمعنى الإحراق ، ويسمّى الصائغ الفتّان ، لأنّ صنعته قائمة على تعريض ما يصوغ من معادن للهب النّار ، ويحمل على هذا المعنى قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( البروج / 85 مصحف / 27 نزول ) بشأن أصحاب الأخدود :
إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذابُ الْحَرِيقِ
( 10 ) .
أَ تَصْبِرُونَ ؟ :
استفهام بمعنى الحضّ والحثّ ، أو الأمر ، أي : هلّا صبرتم ، أو اصبروا . والصبر هو ضبط النفس في تحمّل المكاره . ومعنى الحضّ هو الأولى فيما أرى ، لأنّ الخطاب موجّه للرسول وللدعاة من بعده . وهذا من أمثلة الاستفهام الذي خرج عن أصل دلالته ، وهي طلب الإفهام . ويلاحظ أنّ اللّه عزّ وجلّ قد أمر رسوله محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم بالصبر في مراحل التنزيل قبل نزول سورة الفرقان ثلاث مرّات : أولا : ففي سورة ( المدّثر / 74 مصحف / 2 نزول ) قال اللّه عزّ وجلّ لرسوله مع بدايات تكليفه مسؤولية التبليغ والإنذار :
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ ( 1 ) قُمْ فَأَنْذِرْ ( 2 ) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ ( 3 ) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ ( 4 ) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ( 5 ) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ( 6 ) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ
( 7 ) . فكان ما جاء في هذا النصّ أوّل أمر بالصّبر موجّه من اللّه لرسوله محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإعدادا له حتّى يتلقّى ما يتلقّاه من قومه ، وهو يبلّغهم رسالة ربّه ، ويقوم فيهم بوظائفها ، صابرا لأجل ربّه ، وابتغاء مرضاته . ثانيا : ثمّ أنزل اللّه عزّ وجلّ عليه في سورة ( ق / 50 مصحف / 14 نزول ) قوله تعالى :