العامّ لسنن اللّه في كونه ، لا يتنافى مع منحة حرّيّة الاختيار للمكلّفين المخيّرين ، لأنّ هذا الجعل يشتمل على طريقي الخير والشرّ ، والإنسان المكلف المختار الممتحن ، إذا اختار مثلا الكفر وانعقدت عليه إرادته الحرّة ، حجبه اللّه عن الإصغاء لآيات القرآن ، وجعله غير قادر على أن يفقه معانيها ، وجعله نافرا عن الاستماع إليها . أمّا إذا اختار الإيمان وانعقدت عليه إرادته الحرّة الصّادقة ، فإنّ اللّه عزّ وجلّ يشرح صدره للإصغاء لآيات القرآن ، وينوّر قلبه لتدبّر معانيها وفهمها ، ويجعل سمعه ميّالا لاستماعها ومنجذبا إليها .
وهذا المعنى هو المعنى الملائم للنصّ الذي نتدبّره ، إذ امتحان النّاس بعضهم ببعض من سنن اللّه في ظروف الحياة الدّنيا .
المعنى الثاني : الجعل بمعنى الحكم الدّيني ، الذي يمتحن اللّه الناس به ، وقد وردت عدّة نصوص قرآنية يدلّ فيها الجعل على معنى الحكم الديني ، ومن هذه النصوص قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( الإسراء / 17 مصحف / 50 نزول ) :
وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً . . .
( 33 ) .
أي : فقد جعلنا في أحكام الشريعة الإسلاميّة حكما يضمن حقّ وليّ القتيل الّذي قتل مظلوما .
المعنى الثالث : الجعل بمعنى الحكم الإنسانيّ الصادر عن تصوّر بشريّ ، أصاب فيه صاحبه أم أخطأ ، وضمن هذه الدلالة وردت عدّة نصوص قرآنيّة ، ومن هذه النصوص قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( ق / 50 مصحف / 34 نزول ) :
الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ
( 26 ) .