خير فيهم ، ولا بدّ أن يؤدّي بهم فسادهم إلى أن يكونوا هالكين ، تحلّ عليهم نقمة اللّه وعذابه في الدنيا ، وأن يكونوا من الخالدين في العذاب يوم الدين .
ومن مجموع عبارة التّعليل الّتي يذكرها المعبودون من الملائكة والأنبياء والصالحين ، لتبرئة أنفسهم في موقف الحساب ، ومن لوازمها الفكريّة نستطيع أن نستخرج المعاني التالية :
لقد كان لدى هؤلاء القوم يا ربّنا ذكر منزّل من لدنك ، أبانه لهم رسلهم ، وتلقّوه عنهم ، وفهموه ، وعملوا بمقتضاه ، فعبدوك أوّل الأمر وحدك .
ولكنّ أجيالهم المتتابعة وجدوا أنفسهم يتقلّبون في متاع من زينة الحياة الدّنيا ، بفضل منك ، فشغلهم ما هم فيه من متاع عن العمل بما أنزلت إليهم من ذكر ، فصار همّهم أن يستغلوا من دنياهم أوسع متاع ، وتحوّل الدّين عندهم من كونه عملا بمرضاة اللّه للظّفر بالسعادة الأخرويّة يوم الدّين ، إلى كونه وسيلة للاستزادة من متاع الحياة الدنيا .
ومن طبيعة الإنسان إذا أهمل العمل بالتّعاليم أن يصرفها عن ذاكرته ، ويستبعدها ، وهذا يجرّ إلى نسيانها ، وعندئذ تنبت في النّفس مفاهيم دخيلة من شأنها أن تخدم مطالبها من الحياة الدّنيا ، ومن هذه المفاهيم الاستغناء بالوسطاء شفعاء لهم عند اللّه ، وابتداع وسائل ما أنزل اللّه بها من سلطان ، للتّقرّب إلى هؤلاء الوسطاء ، ويبدأ التحريف في الدّين ، من عبادة اللّه إلى تعظيم الوسطاء ، ثمّ إلى عبادتهم .
وعلّتهم الأولى أنّهم كانوا قبل أن يدخل إليهم الشّرك قوما فاسدين ، طلّاب متاع الحياة الدّنيا ، لا همّ لهم غير الحصول على لذّاتهم منها ، والدّين لديهم وسيلة لتحصيل الدنيا فقط ، ومن طبيعة هذا النوع من الدّين أن تدخل إليه البدع والتحريفات والخرافات والشّركيّات ، وجعل المعاصي
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 415
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٤١٥