تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 403

مساهمون:

ص٤٠٣
والآخر لا شرّ فيه مطلقا ، فسؤال فيه التعجيب من أمرهم ، واستثارة ما لديهم من تمييز بين الخير والشرّ ، لم تطمسه الأهواء والشهوات وحبّ العاجلة ورغبات الفجور ، أو الكبر والعناد وحبّ الاستعلاء في الأرض . ومثل هذا الأسلوب مستعمل في عبارات الناس ، فيقول ذو السلطان لأحد الذين كانوا من المقرّبين لديه ، وله مكانة وحظوة ، فخرج عليه ، فحكم عليه بالسجن والتعذيب ، وأمر بتنفيذ الحكم فيه : أترى هذا العذاب خيرا لك ، أم ما كنت فيه من نعمة ومكانة لدينا ، ومطالب مستجابة ؟ ! ويحتمل أن يكون المشار إليه في
أَ ذلِكَ
مجموع حالهم الشاملة لما كانوا عليه في الحياة الدنيا ، وما سيصيرون إليه من عذاب يوم الدين ، إذ يرون أنّ ما هم فيه في الحياة الدنيا يشتمل على خير يحبّونه ، من مال وسلطان واستمتاع بلذّات تحقيق شهواتهم وأهوائهم ، فلديهم بحسب رؤيتهم قدر كبير من الخير ، يصلح للمشاركة في التّفاضل بين خيرين . أمّا مقابله فهو حال المؤمنين الذين يرونهم دونهم في متاع الحياة الدنيا وزينتها وخيراتها ، لكنّهم صائرون بفضل اللّه إلى جنّة الخلد الّتي وعدهم اللّه عزّ وجلّ أن يكونوا خالدين فيها يوم الدّين . وعلى هذا الاحتمال يكون السؤال عن الأخيريّة لا إشكال فيه ، ولا يحتاج تأويلا ، إذ هو يلفت نظرهم إلى جميع حياتيهم معا ، في العاجلة والآجلة ، لحثّهم على التبصّر بأمرهم . والاستفهام في
أَ ذلِكَ ؟ !
للإنكار التوبيخيّ التّعجيبيّ من أمرهم ، وفيه استثارة بواعثهم لترك التكذيب بالساعة ويوم الدين ، واختيار الإيمان والعمل بمقتضاه ، عن طريق التنبيه الشديد المقرون بالتّلويم .
أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ ؟
! : أي : أيّهما أفضل لكم : الانطلاق في الحياة الدنيا على أهوائكم وشهواتكم ، ثم عذاب أليم في السعير ، أم استقامة