ويحمل التعبير أيضا الدّلالة على المعنى التالي : لا يكفيكم للخلاص من عذابكم هلاك واحد من نوع واحد ، بل أنواع من الهلاك كثيرة ، لأنّكم تحتاجون مع كلّ نوع إلى أن تدعوا نوعا من الهلاك ليريحكم منه ، وهي فكرة بديعة تدلّ على أنّ الآلام تأتيهم متنوّعة بكثرة ، فهم مع كلّ نوع منها يحتاجون أن يدعوا ثبورا ، على سبيل الطلب ، أو على سبيل النّدبة .
فمعنى الآية : وإذا ألقوا عند تنفيذ أمر تعذيبهم في مكان ضيّق من النّار ، حالة كونهم مقيّدين أسرى ، مسوقين إلى العذاب ، صاحوا منادين هنالك في ذلك المكان البعيد عن مهابط تنزّل رحمات اللّه ، يا هلاكا أقبل وأرحنا ممّا نحن فيه ، ويا ربّنا أهلكنا لتريحنا ممّا نحن فيه ، ويا ثبوراه ويا هلاكاه ما أفضلك بالنّسبة إلى ما نحن فيه .
فيقال لهم رفضا لدعائهم وتيئيسا : لا تدعوا ( نداء أو طلبا أو ندبة ) هلاكا واحدا ، وادعوا هلاكا كثيرا ، فطلبكم مرفوض ، ودعاؤكم مردود عليكم ، فكرّروه كثيرا مع الأزمان ، ومع أنواع العذاب ، واندبوا هلاككم دواما ، أي : فإذا كان النداء يريحكم فكرّروه ما شئتم ، ولا حظّ لكم في الهلاك الذي تدعونه ، لأنّ اللّه عزّ وجلّ قضى بأنّه لا موت بعد البعث إلى يوم الدّين .
روى الإمام أحمد وابن ماجة والحاكم بإسناد صحيح عن أبي هريرة ، أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال :
« يؤتى بالموت يوم القيامة ، فيوقف على الصّراط ، فيقال : يا أهل الجنّة ، فيطّلعون خائفين وجلين أن يخرجوا من مكانهم الّذي هم فيه . ثمّ يقال : يا أهل النّار ، فيطّلعون مستبشرين فرحين ، أن يخرجوا من مكانهم الّذي هم فيه ، فيقال : هل تعرفون هذا ؟ فيقولون : نعم ، هذا الموت ، فيؤمر به فيذبح على الصّراط ، ثمّ يقال للفريقين : كلاهما خلود فيما تجدون ، لا موت فيها أبدا » .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 401
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٤٠١