لكنّ النصّ القرآني كرّم الرّسول عن هذا ، فعبّر عن عملهم بأنّهم اخترعوا من عندهم رسومات ، وضربوها كما تضرب النقود تثبيتا لها ، وادّعوا أنّها تشبه الرّسول محمّدا ، وهذا أسلوب من تكريم الرّسول عن شتائم الكافرين له عجيب .
فلتبق رسومهم عندهم ، وأمثالهم عندهم ، في أوهامهم وأقوالهم ، لا يمسّ الرّسول منها شيء ، ولا سيّما وهي فيما بينها متعارضات متناقضات .
وبناء على أنّ الّذين كفروا قد وصفوا الرّسول بهذه الصفات المتعارضات المتناقضات ، التي لا يمكن اجتماعها في شخص واحد ، فإنّهم قد وضعوا أنفسهم في متاهة فكريّة مظلمة ، بعيدة عن سبيل الحق .
ومن وضع نفسه في متاهة فكريّة ، رافضا سبيل الحق الواضح الوحيد ، فإنّه لا يستطيع أن يجد لنفسه سبيلا منطقيّا علميّا آخر ، مهما بحث وفتّش ضمن متاهته ، إذ ليس بعد سبيل الحق الوحيد إلّا الضلال .
أمّا الذكاء فمهما بلغ فإنّه لا ينفع في إيجاد المعدوم ، والسبيل الحقّ معدوم في المتاهات والمضلّات ، فلن يجده فيها الباحثون المفتشون .
ثانيا : وفي الرّدّ على اقتراحهم أن يلقى للرّسول كنز ، أو تكون له جنّة يأكل منها ، ويأكلون هم منها ، قال اللّه عزّ وجلّ :
تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً
( 10 ) .
تَبارَكَ :
تزايد وتعاظم وتنامى فوق كلّ وصف كمال يصفه به الواصفون .
إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ :
أي : لكنّه لم يشأ ، لأنّ حكمته تعالى اقتضت أن لا يشاء أن يجعلك ذا ثراء واسع وجنّات وقصور في الدّنيا ، كما اقترح الذين كفروا .