عبدا داعيا إلى سبيل ربّه ، ببراهين العقل ، وأدلّة العلم ، وأنوار الحكمة ، ليكون أسوة وقدوة حسنة للنّاس أجمعين ، أغنيائهم وفقرائهم ومساكينهم ، ولتكون الاستجابة لما يدعو إليه استجابة من أجل مضمون دعوته الحقّ الّتي يدعو إليها ، لا من أجل ملكه وسلطانه وغناه ، وليكون المؤمنون المسلمون جميعا من بعده دعاة هداة إلى الإيمان وفعل الخير ، ولئلا تكون تطلّعات المؤمنين من بعده لزينة الحياة الدنيا ، والتكاثر من أموالها وما فيها من متاع فان ، ظانّين أنّ الرّسول أسوتهم في ذلك .
إن نموذج داود وسليمان عليهما السّلام جعل بني إسرائيل باحثين عن المال والملك والسّلطان ، في كلّ ما يعملونه ويفكّرون فيه ويهتمّون له ، حتّى جعلهم ذلك شيوخ الفساد وأئمّة المفسدين في الأرض ، ولم يجعلهم باحثين عن الحقّ والخير ، وفضائل الإيمان ، والعمل الصّالح في الحياة الدنيا ، للظفر يوم الدين بجنّات النعيم ، والخيرات الحسان عند ربّ العالمين ، ولم يجعلهم دعاة هداة إلى الإيمان بالحقّ ، ونصرة الحقّ ، وإقامة العدل وفعل الخير وتقوى اللّه والبرّ والإحسان .
وفي هذا توجيه للدّعاة إلى اللّه بأن لا تكون الدّنيا أكبر همّهم ، أو شغلهم الشاغل ، وبأن لا يكونوا باحثين عن متاع الحياة الدنيا أو العلوّ في الأرض ، بل أن يكونوا عاملين جاهدين مجاهدين من أجل نشر دين اللّه والعمل به ، مضحّين في ذلك بأنفسهم وبأموالهم .
إجمال معاني الدرس الثالث من دروس السورة
تضمّن هذا الدّرس من السورة خمس قضايا :
القضية الأولى : بيان اعتراض كفّار عرب مكة إبّان التنزيل على بشريّة الرسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، بقولهم :
ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ .