تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 379

مساهمون:

ص٣٧٩
انظر يا محمّد بفكرك الذي لا تحتاج معه إلى تأمّل وتدقيق وتعمّق ، متعجّبا مستنكرا كيف اصطنعوا كذبا وافتراء لك أوصافا يكشف الفكر القريب بطلانها ، لمنافاتها لصفاتك العظيمة التي تتحلّى بها ، ويدركها كلّ ذي فكر ، ولو لم يكن فطنا ولا ألمعيّا ، ولا باحثا متعمّقا . والخطاب للرسول خطاب لكلّ ذي نظر . ويرد هنا سؤال : لم جمع اللّه الأمثال ، مع أنّ الذي ذكره النّصّ هنا هو قولهم عنه :
إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً .
وهذا مثل واحد ( أي : وصف واحد ) لا أمثال ؟ ويمكن أن نجيب على هذا السؤال بأنّ الذين كفروا قد سبق لهم قبل نزول سورة ( الفرقان ) أن وصفوا الرّسول بأنه ساحر كذّاب ، ووصفوه بأنّه مجنون ، وفي الآية الرابعة من سورة ( الفرقان ) وصفوه بأنّه مفتر متقوّل على اللّه ، فكان من المناسب الإشارة إلى كلّ هذه الأقوال بعبارة
انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ .
والناظر في أقوالهم يلاحظ أنّها متناقضة متعارضة ، فكيف يستقيم لهم منطق سديد وهم يطرحون هذه الأقوال المتعارضة . إنّ المفتري الكذّاب السّاحر لا يكون مسحورا ، وذلك لأنّ المسحور تجري الأشياء على لسانه وحركاته بدون إرادته ، بخلاف المفتري الكذّاب الساحر ، كيف يكون المسحور ساحرا ، هذا تناقض ، والتناقض من الأمور المثيرة للتعجب ، إذ التّناقض لا يقبله العقلاء على أنفسهم ، فكيف يقبله أئمة المشركين ، وهم يرون أنّهم أصحاب عقل وفطنة وذكاء . ونلمح في عبارة
ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ
إبداعا قائما على عكس التشبيه . فمسيرة التشبيه العاديّة أن يقال : جعلوك مثل المسحور ، أو مثل السّاحر ، أو مثل المجنون ، أو مثل المفتري الكذّاب .