تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 373

مساهمون:

ص٣٧٣
ففي سورة ( ص / 38 مصحف / 38 نزول ) وصفوه بأنّه ساحر كذّاب ، إذ جاء فيها قول اللّه عزّ وجلّ بشأنهم :
وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ
( 4 ) . ويظهر أنّ هذا الاتّهام لم تستجب له الجماهير ، لا من أتباع الرسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ولا من أتباع الذين كفروا ، فالرّسول لم يظهر عليه شيء من الكذب ، ولم تظهر عليه أيّة أمارة تدلّ على أنّه ساحر . فتراجعوا عن مقالهم الأول إبّان نزول سورة ( الفرقان / 25 مصحف / 42 نزول ) فزعموا أنّه رجل مسحور يتصرّف بغير وعي منه . وهكذا تذبذبت أقوالهم وتردّدت بين المتناقضات والأضداد ، في تخبّط يثير العجب حقّا . وقد ذكرهم اللّه عزّ وجلّ بوصف « الظالمين » في قوله تعالى :
وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً
( 8 ) . لأنّ الصفة البارزة هنا فيما طرحوه من اتّهام الرسول بأنّه مسحور ، هي صفة الظلم لشخص الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ، الذي يتلّقى الوحي عن ربّه ، ولا يستطيع السّحرة أن يؤثّروا على شيء من قدراته الفكريّة والنفسيّة ، يضاف إلى ذلك أنّه لم يظهر عليه شيء يدلّ على أنّه مسحور ، فلا اضطراب في عقله ، ولا اضطراب في نفسه ، ولا اختلال في تصرّفاته ، فادّعاء أنه مسحور ظلم واضح جليّ لكلّ مشاهد للرسول محمّد ومخالط له ، أو متلق منه دعوة وهداية . ويضاف إلى ذلك أيضا أنّ الحقائق الفكرية والعلميّة الّتي يعرضها عليهم تثبت للجميع أنّها حقّ وهداية ورشد ، وقضايا مقرونة ببراهينها الفكريّة والتجريبيّة والمشاهديّة ، وهذه أمور لا يأتي بها مسحور ، فادّعاء أنّه مسحور ظلم له ولما جاء به من حقائق .