تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 368

مساهمون:

ص٣٦٨

التدبر التحليلي :

لقد اتّخذوا كونه بشرا من البشر ذريعة لإنكار نبوّته ورسالته ، وتكذيبه فيهما ، والكفر به وبما جاء به عن ربّه ، دلّ على هذا قول اللّه عزّ وجلّ :
وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ :
أي : وقالوا مستفهمين استفهاما تعجّبيّا من ادّعاء كونه رسولا ، والحال الثابت له أنّه يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ، والمعنى أنّ الرّسول المبعوث من عند اللّه لا ينبغي له أن يكون بشرا يأكل الطّعام ويمشي في الأسواق كسائر البشر ، فهذان أمران متنافيان ، فما هو الشّيء الّذي اختصّ به فجعله يخرج عمّا ينبغي للرّسول كما نفهم ، فيكون رسولا مع أنّ حاله الظاهرة أنّه يأكل الطعام كسائر البشر ، ويمشي في الأسواق كآحاد النّاس . فلفظ [ ما ] اسم استفهام ، وهو مبتدأ . وعبارة [ لهذا ] متعلّقة بمحذوف هو خبر المبتدأ . وكلمة [ الرّسول ] بدل أو عطف بيان من اسم الإشارة [ هذا ] ومرادهم : ما لهذا الذي يدّعي أنه رسول . واللّام في [ لهذا ] بمعنى الملك أو الاختصاص . ومعنى الجملة : أيّ شيء امتلكه محمّد أو اختصّ به حتى استطاع بسببه أن يكون نبيّا رسولا مع أن حاله أنّه يأكل الطعام ، ويمشي في الأسواق ، هذا أمر يدعو إلى العجب منه ، والإنكار عليه ، فهو إذن ليس نبيّا ولا رسولا . هذا هو منطقهم الذي قدّموه في هذه الجدليّة الباطلة ، الّتي تولّى القرآن الرّدّ عليها فيما بعد في الآية ( 20 ) من السورة . بعد هذا الاعتراض على بشرية الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم الذي رأوا أنّه من القوّة بحيث يبطل في أذهان من يتأثّر به صحّة ادّعاء كونه نبيّا رسولا ، قدّموا مقترحات زعموا أنّه لو أوتيها أو بعضا منها لكان قد ملك بذلك