( 17 ) الملحق الثالث بيان اعتراض الأمم على بشريّة الرّسل في القرآن
لم يكن كفّار العرب وحدهم المعترضين على بشريّة الرسول الذي له صفات البشر ، ومنها أكل الطعام والمشي في الأسواق ، بل سبقتهم إلى هذا الاعتراض نفسه الأمم من قبلهم ، إذ تعلّلوا بأنّه ينبغي أن يكون رسول اللّه ملكا ، زاعمين أنّ البشر لا يصلحون للاتصال بعوالم ما وراء الأشياء الّتي تدرك بالحواس ، أو أنّ إرسال رسول بشر للناس مناف لحكمة اللّه ، فاللّه لا يفعله . فمن ادّعى من الناس أنّه رسول مبعوث من عند اللّه فهو كاذب ، أو حصلت له تخيّلات أو تصوّرات أو أمور نفسيّة ، ظنّ بسببها أنّه رسول يتلقّى الوحي عن اللّه ، والواقع بخلاف ذلك .
وقد عرض القرآن المجيد قصّة اعتراض الأمم على بشريّة رسلهم في عدّة نصوص موزّعة في السّور .
* أوّلا :
جاء في سورة ( ق / 50 مصحف / 34 نزول ) بيان تعجّب كفار مكة من بشرية محمد صلّى اللّه عليه وسلّم في قوله تعالى :
بَلْ عَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقالَ الْكافِرُونَ هذا شَيْءٌ عَجِيبٌ
( 2 ) .
ثم ذكر اللّه عزّ وجلّ اعتراض ثمود قوم الرسول صالح عليه السّلام على بشريّته ، فأنزل في سورة ( القمر / 54 مصحف / 37 نزول ) قوله تعالى :
كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ ( 23 ) فَقالُوا أَ بَشَراً مِنَّا واحِداً نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذاً لَفِي ضَلالٍ وَسُعُرٍ ( 24 ) أَ أُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ
( 25 ) .
[ سعر ] : جنون . لقد زعموا أنّهم إذا اتّبعوا رسولا بشرا واحدا منهم ، فإنّهم يكونون عندئذ في ضلال عن الحقّ والصّواب ، وجنون في الفكر .