إنّ أحسن كتاب البشر يتبادر له أن يقول : وآية لهم خلق الأزواج كلّها ، عطفا على ما جاء قبلها .
لكنّ فنّيّة التّنويع الإبداعيّ دعت إلى مفاجأة المتلقّي بعبارة تنزيه اللّه عن الزوجيّة ولوازمها ، قبل بدء عرض آية اللّه الكونيّة في خلقه للأشياء ، وفق نظام الزّوجيّة الّذي تنزّهت ذات الباري جلّ جلاله عنه .
خامس عشر : [ ومن الفنون البلاغية البديعة استقطاع النّصّ ]
ومن الفنون البلاغية البديعة الّتي لم تكن معروفة عند البلغاء والأدباء ، استقطاع النّصّ من الحدث الماضي ، أو الحدث الّذي سيكون أو سوف يكون في المستقبل ، دون الإشارة إلى أنّه كان كذا فيما مضى ، أو سيكون كذا في المستقبل ، أو سوف يكون .
ومن أمثلة هذا الاستقطاع البديع في السّورة ما يلي :
المثال الأول : قول اللّه عزّ وجلّ حديثا عمّا سوف يخاطب اللّه عزّ وجلّ به أهل الجنّة في الجنّة :
سَلامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ
( 58 ) :
أي : سوف يقول اللّه لهم وهم في الجنّة :
سَلامٌ
ومعلوم أنّ هذا الكلام مستقطع من الحدث المستقبليّ .
المثال الثاني : قول اللّه عزّ وجلّ حديثا عمّا سوف يخاطب به المجرمون في موقف الحشر والحساب يوم الدّين :
وَامْتازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ ( 59 ) * أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ( 60 ) وَأَنِ اعْبُدُونِي هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ ( 61 ) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً أَ فَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ ( 62 ) هذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ( 63 ) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ
( 64 ) :