تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 234

مساهمون:

ص٢٣٤
وهل يوجد أذلّ وأحقر وأخزى ممّن جعل نفسه باختياره الحرّ أسيرا سجينا ، لا يرى أنوار الهداية الرّبّانيّة . هكذا صوّر اللّه عزّ وجلّ حالة هؤلاء المعاندين المستكبرين ، الذين دخلوا باختيارهم الحرّ في سجن الجوامح الأواسر من متاع الحياة الدنيا وزينتها . إنّهم بدخولهم هذا السّجن المظلم الخادع قد جعلوا أنفسهم ضمن سدود نفسيّة تحجب عنهم رؤية الحقّ ، ضمن أنظمة اللّه السببيّة في كونه للنفوس فهم لا يبصرون . ونظيره في المادّيّات ، من أدخل جسده في لهب النار المحرقة باختياره الحرّ ، فإنّ اللّه يحرقه بالنار التي دخل فيها ضمن أنظمته السببيّة . المثال الثالث : ما في قول اللّه عزّ وجلّ :
وَالْقَمَرَ قَدَّرْناهُ مَنازِلَ حَتَّى عادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ
( 39 ) . ففي هذه الآية تشبيه القمر آخر الشّهر وأوّله بالعرجون القديم ، وقد أشار إلى تشبيه أوّله بالعرجون القديم فعل :
عادَ :
أي : وكان في أوّله كالعرجون القديم . العرجون : الواحد من الأعواد الّتي تحمل الثّمر في الشمراخ ، فإذا قدم هذا العود وضمر اعوجّ مع بقاء لونه أصفر ، فهو بهذه الحالة يشبه الهلال آخر الشهر وأوّله . وعن ابن عباس : أنّ العرجون أصل العذق ، وهو الذي تتفرّع عنه أعواد شمراخ التمر . وأصل العذق الّذي يحمل البلح المعلّق بأعواده ، بعد قطعه عن الشجرة يشبه الهلال أوّل الشهر وآخره . ويظهر أنّ ما روي عن ابن عبّاس أقرب إلى الواقع ، إذ هو مرتفع