تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 232

مساهمون:

ص٢٣٢
إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ
( 8 ) : أغلالا : جمع « غلّ » وهو طوق من حديد أو جلد ، يجعل في عنق الأسير أو المجرم ، أو في أيديهما ، وقد تجمع يد المغلول إلى عنقه وتطوّقان بالغلّ . الأذقان : جمع « الذّقن » وهو مجتمع اللّحيين من أسفلهما . مقمحون : أي : رافعو رؤوسهم إلى الأعلى ، يقال لغة : أقمح الغلّ الأسير ، أي : جعل الغلّ الأسير يضطر أن يرفع رأسه إلى الأعلى ، إذ كان عرضه أوسع من طول عنقه . هذه الآية تقدّم صورة تمثيليّة رائعة ، لحالة رفع رؤوس الكافرين المستكبرين ، ورفع أنوفهم إلى الأعلى إذ رفضوا الاستجابة لدعوة الحق . وهي في الحقيقة صورة تمثيليّة لحالة نفوسهم من وراء رؤوسهم ، وهي تدلّ على أنّ رفضهم وعنادهم ظاهرة مادّيّة مشهودة ، لأسباب نفسيّة بعيدة كلّ البعد عن منطق الحقّ ، وتدلّ على أنّ رفضهم وعنادهم ناتجان عن اختيارهم الحرّ ، ولا أثر للجبر فيه . ومعلوم أنّ ظاهرة رفض شيء ما قد يعبّر عنها برفع الرأس إلى الأعلى نفيا واستكبارا . والآية تشير باللّمح إلى أنّهم أسرى شهواتهم وأهوائهم وكبرهم وحبّهم الاستعلاء في الأرض ، وأسرى رغباتهم الجامحات في الفجور ، وأسرى الشياطين الّتي تسوقهم أو تقودهم إلى شقائهم . ولمّا كان المعتاد في الأسرى أن توضع الأغلال في أعناقهم ، وأن يقادوا منها بالسّلاسل ، ولمّا كان من الأغلال ما هو عريض وضيّق على الرّقاب ، فالمغلول بواحد منها يضطرّ أن يرفع ذقنه إلى الأعلى ، كان منظر
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 232 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني