تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
الرافض لدعوة الحق الذي يرفع رأسه إلى الأعلى نفيا واستكبارا مشابها لمنظر هذا الأسير المغلول بالغلّ الضيّق العريض . لكنّ أغلال المعاندين الجاحدين من أهل الكفر أغلال ضاغطة على رقابهم من داخل نفوسهم ، فكان ما يرى من ظاهرهم تعبيرا مادّيّا عن الأغلال النفسيّة الّتي جنوا على أنفسهم بتقلّدها ، وأجرموا وظلموا ، وجعلوا إراداتهم تجرّ بسلاسلها إلى ما هم به مفترون منخدعون ، وهم بسببها زادوا كفرا وعنادا ، وزادوا إصرارا على الباطل . المثال الثاني : ما في قول اللّه عزّ وجلّ بشأن الكفرة المكابرين المجرمين الرافضين دعوة الحقّ باختيارهم الحرّ :
وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ
( 9 ) . وهذه الآية تقدّم للمتدبر الأديب البليغ صورة تمثيليّة رائعة ، لحالة عدم رؤية الكافرين المكابرين المعاندين للحقّ ، وما قام دون بصائرهم من سدود تمنع عنها رؤية الحق بسبب كونهم سجناء شهواتهم وأهوائهم وكبرهم ، وحبّهم الاستعلاء في الأرض بغير الحقّ ، ورغباتهم في الفجور ، ومن ورائها وساوس الشياطين وتسويلاتهم . وجاء في هذه الصورة تسمية الحجب سدودا ، على سبيل الاستعارة ، ولم يسمّها اللّه عزّ وجلّ ستورا ، أو نحو الستور ، لأنّ هذه الحجب تصلّبت وتحجّرت ، فهي حريّة بأن تسمّى سدودا ، إذ هي بالنسبة إليهم وإلى من هم مثلهم تشبه السّدود المانعة من التسرّب أو العبور . وقد جعل اللّه عزّ وجلّ في أنظمة النفوس الّتي هي إحدى سننه وقوانينه في كونه ، أنّ من جعل نفسه باختياره الحرّ سجين أهوائه وشهواته ، إلى سائر الجوامح الأواسر لنفسه من مطالب الحياة الدنيا وزينتها ، قامت بين بصيرته وبين الحقّ سدود من بين يديها ومن خلفها ، وهذه السّدود تحجب عن بصيرته رؤية الحقّ .