لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ
( 6 ) .
في هذه الآية إيجاز بالحذف تدلّ عليه اللّوازم الفكرية ، وبيان ذلك فيما يلي :
الإنذار : هو الإخبار بالعاقبة المكروهة للمنذرين ، وهو الوظيفة الّتي تأتي بعد التبليغ ، والدّعوة بالحكمة ، والموعظة الحسنة ، والجدال بالّتي هي أحسن ، وترغيب المستجيبين المطيعين بالعاقبة الحسنى في جنّات النّعيم ، أمّا من أبى وعاند ولم يستجب لدعوة الحقّ ، فيأتي إنذاره بالعاقبة السّوأى في جهنّم دار عذاب الكفرة المكذّبين .
فذكر الإنذار يدلّ عن طريق اللوازم الفكريّة على أنّه مسبوق بهذه المراحل ، وبما أنّ هذه المراحل السابقة للإنذار لم تكن ذات جدوى مع المعنيّين من الكفّار المعاندين ، كان الإنذار هو المناسب لهم بعد أن وصلوا إلى حالة ميؤوس منها .
فالمعنى : لتنذر هؤلاء ، بعد أن اتّخذت معهم الوسائل السابقة له ، فلم تؤثّر فيهم ، ولم يبق لديك ألا أن تنذرهم .
المثال الثاني : قول اللّه عزّ وجل :
وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَ فَلا يَعْقِلُونَ
( 68 ) .
الفاء في :
أَ فَلا يَعْقِلُونَ
هي الفصيحة الّتي تعطف على محذوف ، والتقدير : أيستمرون في فتنتهم بمظاهر الحياة الدّنيا ، غارقين في غفلاتهم ، كأنّهم خالدون فيها ، فلا يعقلون عقلا علميّا ، ولا يعقلون عقلا إراديّا بضبط نفوسهم عمّا سوف يجعلهم من أهل الجحيم يوم الدّين .
ونظيره في الآية ( 73 ) :
أَ فَلا يَشْكُرُونَ :
أي : ألا يتفكّرون في هذه النّعم العظيمة الّتي الّتي أنعم اللّه بها عليهم ، فهم بسبب عدم تفكّرهم لا يشكرون ربّهم عليها بالإيمان والإسلام والطاعة على مقدار الاستطاعة .