أصل معنى « النّسيان » في اللّغة التّرك ، ومن التّرك المتعمّد الإهمال .
وقد علّم اللّه عزّ وجلّ الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم فكلّ داع إلى اللّه من أمّته ، كيف يجيب على سؤال هذا السّائل المتعجّب المستنكر ، بجواب حكيم هادئ ، منطقيّ بارد ، لا عنف فيه ولا انفعال ، فقال تبارك وتعالى :
قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ
( 79 ) :
أَنْشَأَها :
الإنشاء : الإحداث المصحوب بالتّكامل المتدرّج .
أي : إنّ الذي أنشأ العظام في المرّة الأولى ، وكساها لحما ، وصوّر الإنسان في رحم أمّه بأحسن صورة ، ونفخ فيه الرّوح فكان حيّا ، هو نفسه جلّ جلاله وعظم سلطانه وقدرته - القدير على إنشائها وإحيائا بعد الموت والفناء ، مرّة ثانية وثالثة ، ثمّ إلى ما لا نهاية له من مرّات ، لو شاء أن يميتها ويفنيها ثمّ يحييها مرّات وكرّات لا حصر لها ، وهذه قضيّة تفهم باللّزوم العقليّ .
وإذا كان الإشكال الّذي أثار في نفس السّائل الشّبهة آتيا من جهة التشكّك في شمول علم اللّه لدقائق الخلق الأوّل ، فاللّه الخالق الرّبّ هو بكلّ خلق عليم ، أي : مهما كان هذا الخلق دقيقا في ذاته أو في صفاته ، وعلمه جلّ جلاله لا يتناقص ولا يتبدّل ، إنّه سبحانه لا يضلّ ولا ينسى ، وإعادة المخلوق إلى الحياة بعد الفناء تأتي مطابقة تماما لخلقه الأول ، لأنّه يخلق عن علم :
وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ :
أي : وهو بكلّ خلق يخلقه عليم به قبل أن يخلقه ، إذ الخلق مسبوق بقضاء اللّه وقدره ، وعليم به حين خلقه على وفق خريطة تكوينه ، وعليم به بعد أن خلقه ، وعليم بما كان عليه بعد أن أماته وأفناه .
وهذا ينبّهنا على أنّ كلّ دقيقة من دقائق الخلق ، بدأ من نواة الذّرّة