والتّحسّر عليهم قد جاء في صدر الدّرس الثالث من دروس السورة بقول اللّه تعالى :
يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ
( 30 ) .
وجاء عطف صدر هذا الدّرس الثامن على ما جاء في الآية ( 31 ) من آيات الدرس الثالث .
عبارة :
أَ وَلَمْ يَرَوْا
دلّت على الرّؤية البصريّة ، وعلى الرّؤية الفكريّة الواضحة المشابهة في وضوحها في الفكر ، للرّؤية البصريّة .
أي : أولم ينظروا بأعينهم ، ويتفكّروا بعقولهم الّتي وهبهم ربّهم إياها ليستعملوها فيما خلقت له .
*
أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ :
أي : أنّا أبدعنا وصوّرنا وأوجدنا على غير مثال سبق لأجلهم ، وجاء التعبير بضمير المتكلّم العظيم ، لأنّ الموضوع يتعلّق بالخلق الإبداعيّ من العدم ، الذي لا يستطيعه إلّا ذو الصفات العظيمة الجليلة ، وهو اللّه الرّبّ الّذي لا شريك له .
*
مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً :
أي : من بعض ما عملت أيدينا أنعاما ، وذكر
أَيْدِينا
فيه الإشعار بعناية اللّه عزّ وجلّ ببني آدم وتكريمه لهم .
الأنعام : هي الأموال الراعية ، وهي الإبل والبقر والغنم . ولفظ « الأنعام » يذكّر ويؤنّث ، وجاء ذكرها منكرا :
أَنْعاماً
للدلالة على الكثرة ، وعظم المنافع .
ومع أنّ كلّ مخلوق في الوجود كلّه هو من صنع اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه ، لم يشاركه ولا يشاركه في خلقه أحد ، سواء في ذلك الإبداع الأول وغيره ، فالتنبيه على أنّه جلّ جلاله قد خلق الأنعام للنّاس