أنّه لمّا لم تكن مقالتهم هذه مقترنة بحجّة ما ، مهما كانت ضعيفة ، حتّى تدفع بالحجّة البرهانيّة الدّامغة ، إذ مقالتهم قائمة على ادّعاء لزوم اقتران الوعيد بالعقاب الذي تؤيده البراهين ، بتحديد زمن وقوعه في المستقبل ، لم تكن هذه المقالة مؤهّلة لدفعها بحجّة ما .
إنّ الإدّعاء الذي اشتملت عليه مقالتهم لا دليل عليه من العقل ، ولا دليل عليه من واقع الأخبار الوعيديّة ، الّتي تصدر عن ذوي السّلطان في الأرض ، فذوو السّلطان قد ينذرون العصاة الخارجين على قانونهم بمفاجأتهم بالعقاب متى شاءوا ، دون أن يحدّدوا زمنا معيّنا لهذه المفاجأة ، ولا يوجد واحد لديه فكر سليم يقول لذوي السّلطان ، أو للمبلغين عنهم من المعتمدين لديهم : إن كنتم صادقين في إنذاركم لنا فحدّدوا لنا زمن وقوعه .
إنّ النّاس لا يستطيعون التّطاول على ذوي السّلطان من النّاس ، بطرح مثل هذه المقالة عليهم ، إذ يخشون أن يسارعوا إلى الانتقام منهم ، وأن لا يمهلوهم .
لكنّ الذين كفروا قد أطمعهم بالتطاول على رسل ربّهم ، والمبلّغين عنهم أنّ من سنّة اللّه جلّ جلاله أن يمهل عباده ، ولا يعاجلهم بالعقاب ، ليمنح كلّ واحد منهم في امتحانه في الحياة الدنيا ، كلّ الزّمن الذي قضاه لامتحانه ، مع الإمهال والتّوسعة له في العمر بحسب الفطرة الّتي فطره عليها ، وتختلف أزمان امتحان الممتحنين المكلّفين بحسب اختلاف الفطر النّفسيّة الّتي فطروا عليها .
وإذ ليس في مقالة الّذين كفروا حجّة ما مهما كانت ضعيفة ، حتى تدفع ، كانت المعالجة القرآنية لهم ، مقتصرة على توجيه تهديد لهم باحتمال مفاجأتهم بمهلكة ربّانية غير مرتقبة ، تأتيهم وهم يتخاصمون فيما بينهم على
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 146
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص١٤٦