تمهيد :
هذا الدرس الخامس من دورس السورة ، يعالج تساؤل الّذين كفروا عن موعد تحقّق الإنذار بعذاب اللّه المعجّل في الدنيا ، أو المؤجّل إلى يوم الدين بعد الموت والبعث .
وطرح هذا التساؤل هو طرح جدليّ يراد به الإشعار بأنّهم يكذّبون بما أنذروا به ، بمعنى أنّ الإنذار بالعذاب إذا لم يقترن به تحديد الزّمن الّذي يتحقّق فيه إنزاله فهو إنذار وهميّ لا يصدّق .
هكذا يصوّر الّذين كفروا قضيّة الجزاء الرّبّانيّ ، صانعين من أوهامهم حجّة جدليّة ، مع أنّ عقاب اللّه عزّ وجلّ الّذي أنزله بكفّار القرون السّابقة لم يكن الإنذار به مقترنا بتحديد زمن إنزاله ، إنّما جاءهم بغتة وهم نائمون ، أو وهم يلعبون .
وأمّا عذاب يوم الدّين فهو قضيّة خبريّة عن اللّه جلّ جلاله في كلّ رسالاته للناس ، وعقليّة تستند براهين العقل فيها إلى صفات اللّه الجليلة ، والغاية من خلق ذوي الإرادات الحرّة ، في الحياة الدنيا وهي الامتحان ، وحكمة اللّه العظيمة قاضية بأن الامتحان يستلزم عقلا الحساب ، وفصل القضاء ، وتحقيق الجزاء ، وهذا لا بدّ أن يكون بعد انتهاء ظروف الامتحان في الحياة الدنيا ، وأن يكون في حياة أخرى هي حياة الجزاء .
ومعلوم أنّ يوم الجزاء لا يأتي إلّا بعد إنهاء ظروف الحياة الدنيا ، وقيام الساعة ، وقد أخفى اللّه عزّ وجلّ قيام السّاعة عن كلّ من خلق في السماوات والأرض ، وهي لا تأتي إلّا بغتة ، ولا يتطلّب الحدث الغيبيّ المستقبليّ معرفة زمن وقوعه ، للإيمان به ، في موازين العقل السّليم ، والحجج الفكريّة الصحيحة ، ما دامت براهين العقل والأخبار الدّينيّة