تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 136

مساهمون:

ص١٣٦
منهم جواب جدليّ على دعوتهم إلى الإنفاق مما رزقهم اللّه ، ودعوة مضادة إلى الشحّ . اختير في الدّعوة من سدّ حاجات الفقراء الإطعام ، لأنّ الحاجة إلى الطّعام من ضروريّات الحياة ، والأغنياء الكفرة المستكبرون ذوو قلوب أشدّ قسوة من الحجارة ، لا تليّنها مشاعر رحمة ، ولا تعتصر نداها ضواغط عاطفة نبيلة ، وهم يطلون وجوههم القبيحة بأصباغ ذرائع باطلة ، إذ يزعمون أنّ حكمة اللّه عزّ وجلّ ، قد قضت أن يهين الفقراء بالفقر ، والجائعين بالجوع ، وأن يذلّهم ، لأنّهم لا يستحقون إلّا ذلك ، وأنّ الناس مطالبون بأنّ لا يغيّروا مراد اللّه فيهم . *
إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ
( 47 ) : أي : ما أنتم أيّها المؤمنون الباذلون أموالكم لإطعام الجائعين ، وسدّ حاجات وضرورات الفقراء والمساكين ، إلّا في ضياع واضح جليّ عن طريق الحقّ والخير والهدى .
إِنْ :
هنا حرف نفي بمعنى « ما » النافية .
فِي ضَلالٍ :
أي : في ضياع ، وباطل ، وعدول عن الطريق المستقيم . وهذه الذّريعة الباطلة الّتي يتذرّع بها الكافرون وأشباههم ، إنما هي نتيجة سوء فهمهم عن اللّه عزّ وجلّ ومقاديره في خلقه . إنّهم صرفوا عن تفكيرهم أنّ رحلة الحياة الدنيا هي رحلة امتحان ، وأنّ وراءها حياة أخرى خالدة أبديّة هي حياة الجزاء ، بعد الحساب وفصل القضاء ، وأنّ الامتحان في الحياة الدنيا قد اقتضى الامتحان بالمتضادّات والمختلفات ، ومنها الغنى والفقر ، والقوّة والضعف ، والصّحة والسّقم ، والعزّ والذّل ، والجمال والقبح ، إلى سائر المتضادات والمتناقضات والمتخالفات .