حقوق ذوي الحقوق فيها إلى من أمره اللّه عزّ وجلّ ببذلها إليه ، أو إلى الجهات الّتي أمره أن يبذل من أمواله فيها .
ولم يقبلوا أن يكون هذا الامتحان بالفقر والحاجة أحيانا ، لابتلاء صبر العبد ، ورضاه عن ربّه فيما ابتلاه به ، وطاعته وعدم معصيته في العدوان على ما وهب اللّه بعض عباده ، ممّا لا حقّ له فيه ، وعدم تطلّعه إلى ما امتحن به سواه من زينة الحياة الدنيا ، واقتناعه بما قسم له من معيشة .
ولم يأت هنا في سورة ( يس ) جواب مقالة الّذين كفروا ، لأنّه قد سبق في نجوم التنزيل القرآنيّ بيان أنّ اللّه عزّ وجلّ إذا أغنى بعض عباده فإنّما يغنيهم ليبلوهم ويختبرهم في ظروف الحياة الدّنيا ، وليس إغناؤهم من أجل تكريمهم على من سواهم . وأنّ اللّه عزّ وجلّ إذا أفقر بعض عباده فقدر عليهم رزقهم فإنّما يفقرهم ليبلوهم ويختبرهم في ظروف الحياة الدنيا ، وليس إفقارهم من أجل إهانتهم ، فرحلة الحياة الدنيا بكلّ ما فيها من متناقضات ومتضادّات ومتخالفات رحلة ابتلاء واختبار ، وبعدها تأتي حياة الحساب وفصل القضاء ، وتنفيذ الجزاء ، وتلك هي الحياة الخالدة ، أمّا الحياة الدّنيا فحياة مؤقّتة قصيرة جدّا بالنّسبة إلى حياة الخلود ، وهي أقلّ في مقاييس النّسب من ساعات الامتحان الّذي يجريه الأساتذة لاختبار طلابهم ، إذا انتهت أخرجوا من مكان الامتحان ، وانتزعت منهم صحف إجاباتهم بالإكراه ، ثم يكون بعد ذلك إعلان النتائج .
لقد سبق في نجوم التنزيل ، ما يدلّ على أنّ كلّا من مقادير التوسعة في الرّزق والتضييق فيه ، إنّما هو للابتلاء ، فلا الإغناء للتكريم ، ولا الإفقار للإهانة ، والغنيّ يطلب منه في ابتلائه الطاعة والقناعة والصبر ، وعلى الغنيّ حقّ في ماله للفقير ، وحقّ من نفسه بعدم الاستعلاء على من
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 138
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص١٣٨