تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
أنّه تعلّل جدليّ يعتمد على وهم أنّ الرّبّ الخالق أراد أن يجعل قسما من النّاس أغنياء مترفين تكريما لهم ، وأراد أن يجعل قسما آخر من الناس فقراء معوزين ذوي ضرورات وحاجات ، يجوعون ويعيشون في البؤّس إهانة لهم ، ولو يشاء اللّه القادر ساعة بعد ساعة ، ويوما بعد يوم ، وشهرا بعد شهر ، أن يطعمهم ، لوسّع عليهم في الرّزق فأطعمهم ، ولهيأ لهم وسائل الغنى عن صدقات المحسنين ، الّذين يجودون عليهم من أموالهم . أفيصحّ أن نعارض مشيئة اللّه فيهم ، فنطعمهم من طعامنا ، ونكفيهم من أموالنا الّتي اكتسبناها بكدّنا واجتهادنا ، واختصّنا اللّه بها . يقولون هذا جدلا ، وهم لا يؤمنون بأنّ اللّه رحمن بعباده ، بل ينسبون مقادير الرّحمة لآلهتهم الّتي يعبدونها من دون اللّه . وحين يرون أنّهم قد ملكوا ناصية الحجّة بزخرف القول ، والإيهام الذي صنعوه يقولون للّذين آمنوا باللّه وبرسوله وبما أنزل عليه من آيات بيّنات : ما أنتم إلّا في ضلال واضح مبين ، ابتعدتم به عن طريق الصواب فيما تبذلون من أموالكم ، وفيما تدعوننا إليه ممن البذل . هذه فلسفة الأنانيّين ، وهذا منطق المرضى بداء الشّحّ المقيت ، مع استعلاء واستكبار في الأرض . ولو أنّهم آمنوا بربّهم حقّ الإيمان ، وآمنوا باليوم الآخر ، وما فيه من جزاء بنعيم مقيم ، أو عذاب أليم . واستناروا بنور الرّسالة الرّبّانيّة ، وفهموا ما جاء في كتاب اللّه وآمنوا به ، لكان لهم موقف آخر ، ولكان لهم فهم آخر لمقادير اللّه في عباده . وإذ صرف الذين كفروا عن تفكيرهم أنّ رحلة الحياة الدنيا رحلة امتحان ، لم يقبلوا أن يكون هذا الامتحان بالغنى أحيانا ، لابتلاء طاعة العبد لربّه في بذل قسم من الأموال الّتي آتاه اللّه إيّاها ، واستأمنه على
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 137 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني