تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩
هم دونه في الغني ، وعلى الفقير حقّ للغنيّ من نفسه ، أنّ لا يمدّ عينيه إلى متّعة ربّه من زينة الحياة الدنيا بحسد ، وعليه أن لا يعترض على اللّه في مقاديره ، وأن لا يحقد على من فضّله اللّه عليه في الرّزق ، وعليه أن يؤمن ويوقن بأنّ اللّه حكيم في كلّ ما يشاء ويختار . وممّا سبق في نجوم التنزيل بيانا لحكمة الابتلاء في مجالي بسط الرّزق وتضييقه ، قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( الفجر / 89 مصحف / 10 نزول ) :
فَأَمَّا الْإِنْسانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ( 15 ) وَأَمَّا إِذا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهانَنِ ( 16 ) كَلَّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ( 17 ) وَلا تَحَاضُّونَ عَلى طَعامِ الْمِسْكِينِ
( 18 ) . فزجر اللّه عزّ وجلّ في هذا النصّ من يتصوّر أنّ التوسعة في الرزق للإهانه ، بعبارة : ( كلا ) وأبان أنّ كلّا منهما للابتلاء ، وهو الاختبار والامتحان في ظروف الحياة الدنيا ، وأبان - جلّ جلاله - أنّ من المطلوبات الّتي يؤمر بها العبد الممتحن بالغنى أن يكرم اليتيم ويحضّ على إكرامه ، وأن يطعم المسكين ويحضّ على إطعامه . أي : لا أن يراوغ ويجادل بالباطل ، ويقول : أنطعم من لو يشاء اللّه أطعمه ؟ ! ! مصطنعا شبهة في زخرف من القول ، يستر به أنانيّته وشحّه المقيت ، ويتجاهل أنّه في هذه الحياة الدّنيا ممتحن مكلّف ، وأنّ من صور الابتلاء فيها ابتلاء النّاس بعضهم ببعض ، ومنه ابتلاء الأغنياء بالفقراء ، وابتلاء الفقراء بالأغنياء ، إلى غير ذلك من صور ابتلاء لا تكاد تحصى . وهنا أقول : من يحرم البصيرة الإيمانيّة يسقط في أوحال الباطل ، وقد أحاطت به مصايد الشياطين ملتفّة على ما فيه من مقاتل ، تجرّه حتّى يكون مع الأرذلين ، في أسفل سافلين ، وفي الدّرك الأسفل من الجحيم . * * *