فتطابقت دلالات العبارات القرآنيّة مع المفهومات الفكريّة ، وقد أخطأ من رأى أنّ ما بين يدي الشيء هو المستقبل ، وأنّ ما خلفه هو الماضي .
* أمّا ما سلف في الماضي ممّا يجب أن يتّقى فأمران :
الأمر الأول : العقوبات التي أنزلها اللّه جلّ جلاله وعظم سلطانه ، بكفّار القرون السّالفة ، واتّقاء هذه العقوبات هو بمعنى اتّقاء نظيراتها الّتي يمكن أن تأتي في المستقبل ، لأنّ سنّة اللّه عزّ وجلّ في الأمم واحدة ، ولن تجد لسنّة اللّه تبديلا ولن تجد لسنّة اللّه تحويلا .
أي : اتّقوا عقوبات اللّه الّتي هي أمثال ما سبق بين أيديكم ، من عقوباته لكفّار القرون السالفة ، تطبيقا لسنّته الثابتة .
ويمكن اتقاء هذه العقوبات بالتوبة والاستغفار ، والإيمان والعمل الصالح .
الأمر الثاني : ذنوبهم وجرائمهم ، وكفريّاتهم وشركيّاتهم السّابقة ، واتّقاؤها هو بمعنى اتّقاء العقاب عليها ، وهذا يكون أيضا بالتوبة والاستغفار ، والإيمان والعمل الصالح .
فالإيمان يجبّ ما قبله ، فيغفر اللّه الذّنوب والجرائم ، فلا يعاقب عليها ، وبهذا يتحقّق اتّقاء العقاب عليها .
والمعنى على الأمرين : اتّقوا عقاب اللّه على ما قدّمتم بين أيديكم من ذنوب وجرائم بالتوبة والاستغفار وبالإيمان الذي يجبّ ما قبله ، وبالعمل الصّالح الدّالّ على صدق الإيمان .
* وأمّا اتّقاء ما خلفهم فيكون باتّقاء عقوبات اللّه المستقبلة في الدنيا والآخرة ، وهو يكون بأداء ما أوجب اللّه من إيمان وعمل ، وباجتناب ما حرّمه اللّه على عباده من اعتقاد وعمل .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 132
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص١٣٢