المدني ، للإشعار بأنّ الكافرين في كلّ عصر تنطبق عليهم الأوصاف الّتي جاء بيانها في هذا الدّرس ، وإن كان البيان قد نزل بشأن عتاة كفّار قريش .
*
اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ :
ونتساءل : ما هو الّذي بين أيدي الناس ، وما هو الذي خلفهم ؟ . أيّهما الماضي ، وأيّهما المستقبل ؟ .
والجواب على هذا يأتينا من التّعبيرات القرآنيّة ، ومن التأمّل الفكري .
فالتعبيرات القرآنية تدلّنا على أنّ ما بين يدي الشيء هو ما مضى وسلف ، فقد جاء فيه وصفا للقرآن ، أنّه مصدّق لما بين يديه ، أي : للكتب المنزّلة قبله ، وجاء فيه بيان أنّ الرّياح تأتي بشرا بين يديّ رحمة اللّه للناس بالمطر ، ونحو ذلك من استعمالا ، فدلّ هذا على أنّ المراد بعبارة ما بين يدي الشيء هو ما سلف ومضى ، وأنّ المراد بعبارة ما خلف الشيء هو ما يأتي مستقبلا .
وأمّا التأمّل الفكريّ : فهو يدلّ على أنّ الأحياء ذوي الإدراك العلميّ ، قد ركبوا مركبات حيواتهم ووجوههم فيها وأعينهم موجّهة فقط للماضي ، بدءا من لحظة الحاضر ، وأمّا ظهورهم فموجّهة للمستقبل الّذي لا يشاهدونه ولا يشاهدون أحداثه ولا يعلمونها حتّى تتحّقّ في الواقع ، فهو من خلف ظهورهم .
أمّا مركبات حيواتهم فهي سائرة في اتّجاه المستقبل ، وهذا المستقبل هو بالنّسبة إليهم غيب ، وعلمه عند اللّه جلّ جلاله ، كما قال تعالى في سورة ( لقمان / 31 مصحف / 57 نزول ) :
وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
( 34 ) .