ولست أرى مانعا من جعله يشمل المراكب التي يصنعها الناس ، لأنّهم لا يصنعونها إلّا بإلهام من اللّه وتوفيق ، وإمداد منه لهم بالمعونة والقوّة ، وتسخير المسخّرات لهم في كونه ، ولا يمكن أن يستفيدوا من المسخّرات إلّا من خلال قوانين اللّه الّتي جعل كونه مقيّدا بها ، وهي خاضعة لخلق اللّه ، كما قال إبراهيم عليه السّلام لقومه ، فيما حكاه اللّه عنه مقرّا له في سورة ( الصّافّات / 37 مصحف / 56 نزول ) :
. . . وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ
( 96 ) .
وبهذا الفهم يمكن إدخال كلّ المراكب البريّة والجويّة والبرمائيّة ، وغيرها ، وكلّ ما يمكن أن يستحدث من مراكب .
والتعبير بالفعل الماضي في :
وَخَلَقْنا لَهُمْ
يحمل على معنى : وقدّرنا وقضينا ، إذ قضاء اللّه وقدره من الأمور النافذة حتما ، ولو كانت بوساطة إلهام اللّه للعباد ، وتمكينهم ، من التنفيذ ، وتسخير المسخّرات لهم ، لأنّ ما سيفعله العباد مسبوق بالعلم الرّبّانيّ الّذي لا يمكن تخلّفه .
* * *
قول اللّه تعالى :
*
وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ ( 43 ) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعاً إِلى حِينٍ
( 44 ) .
إنّه لمّا كانت سلامة راكبي المراكب البحريّة وغيرها لا تتحقّق إلّا بقضاء اللّه وقدره ، وعنايته ورحمته بعباده ، كان من الحكمة إيراد هاتين الآيتين ، للتنبيه على فضل اللّه على عباده بسلامتهم في رحلاتهم البحريّة وغيرها ، إذ لو شاء اللّه عزّ وجلّ إغراقهم لم تغنهم وسائلهم من اللّه شيئا .
والمعنى : وإنّ نشأ إغراقهم نغرقهم ، إذا كانوا في المراكب البحريّة ، بوسيلة من الوسائل التي لا يملكون دفعها ولا تحويلها ، فإذا صرخوا مستغيثين مستنجدين لم يجدوا من ينجدهم ويغيثهم وينجيهم ، إذ لا رادّ لمشيئة اللّه .