تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 99

مساهمون:

ص٩٩
شملت كلّ مطالب المشركين في حياتهم ، وظهرت عبادة الأوثان ، وعبادة الموتى في قبورهم ، وعبادة الجنّ والملائكة ، وعبادة المشعوذين والدّجالين من الناس . وشركيّات البشر ترجع إلى جعل بعض ما خلق اللّه شركاء له في ربوبيته ، فإلهيّته ، فيدعونهم ، ويتقرّبون إليهم بالقرابين من الذّبائح ، ويعبدونهم بذلك وغيره من دون اللّه ، وهذه المعبودات الّتي يجعلونها شركاء للّه سبحانه وتعالى ، إمّا أن تكون من الجنّ ، أو من الملائكة ، أو من أرواح الموتى الصالحين من البشر ، أو ما يمثّل شيئا من ذلك من الأحجار والأشجار ، ويتفنّنون في اتّخاذ التماثيل لما يعبدون ، ويتقرّبون بالقربات لهذه التماثيل . فاقتضت الحكمة البيانيّة والتربويّة في التنزيل العزيز معالجة شرك المشركين ، الّذي ظهر في تاريخ الناس قديما ، واستمرّت ظاهراته تبرز في كلّ أمّة ، حتّى نزل القرآن على خاتم المرسلين محمّد صلّى اللّه عليه وسلم ، وقد صار معظم العرب ، ومعظم شعوب الأرض مشركين .
. . . فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ
( 190 ) : أي : فتسامى وترفّع وتنزّه اللّه الرّبّ ، الّذي لا شريك له في ربوبيته ولا في إلهيّته ، عن كلّ ما يجعله المشركون شركاء له ، إذ لا أحد يشارك اللّه سبحانه وتعالى في شيء من ربوبيته ، ولا في شيء من إلهيّته . لقد تعالى اللّه عن ذلك علوّا كبيرا أكبر وأكثر من علوّ الفردوس الأعلى في جنّات النعيم ، عن القاع والقرار الأسفل في الجحيم . بعد هذا البيان تحدّث اللّه عزّ وجلّ عن المشركين بأسلوب الحديث عن الغائب ، وكأنّه يخاطب أهل الإيمان والعقل والرّشد ، مسفّها أحلام المشركين السّابقين ، ببيان أنّ شركهم لا يستند إلى قاعدة فكريّة صحيحة