بعطاءات ربوبيّته ، وهو الذي يحفظه ، ويحميه ، ويبقيه في الوجود إلى أجله المقدّر له ، وهو الذي يسعد به الّذين وهبهم إيّاه .
فقد جاء التعبير بهاتين الآيتين ( 189 - 190 ) عن بدايات ظاهرة الشّرك باللّه ربّ الناس في تاريخ البشريّة ، توطئة لمعالجة الشّرك في النّاس إبّان نزول القرآن ، فما يليه من العصور .
وقد فهمنا من هذا العرض الرّبّاني ، أنّ بدايات الشّرك في الناس ، قد ظهرت في موضوع رغبة بعض الأزواج من النّاس في الذّرّيّة ، وبقائها سليمة صالحة معافاة محفوظة من العوارض ، ويظهر أنّ هذا الفريق من الناس قد تعرّض لامتحان اللّه لهم بضعف الإخصاب ، أو بموت أولادهم وهم ما زالوا أطفالا ، أو بأولاد مصابين بعيوب وأمراض مفسدة ، أو مشوّهة .
وكانت البيئة ما زالت بيئة إيمانيّة ، يؤمن فيها الناس باللّه ربّهم ، خالقهم ورازقهم ، ومحييهم ومميتهم ، وكان من شأنهم المعتاد أن يدعوا اللّه ويسألوه ما يرغبون فيه ، ولا سيما في الأمور الّتي لا يملكون التصرّف أو التحكّم بأسبابها ، ويعتبرونها من الغيبيّات بالنسبة إليهم ، كانعقاد الأجنّة في بطون الأمّهات .
ولكنّ الوالدين بعد أن يستيجب اللّه دعاءهما يلجآن لحماية ولدهما الحبيب الغالي ، وللمحافظة عليه إلى اتّخاذ أعمال شركيّة ، فتتلاعب بهما أبالسة الإنس والجنّ ، فيلجآن إلى التمائم والتعاويذ الّتي ما أنزل اللّه بها من سلطان ، وإلى الاستجارة بالموتى ، والتبرّك باثارهم ، وإلى الاستعاذة بالجنّ ، وبالتماثيل الّتي يتوهّمون أنّ أرواح الموتى الصالحين تصاحبها ، وتنفع من يدعوها ويستجير بها ، من أجل ولدهما الحبيب الغالي ، الذي يخشيان عليه من الموت ، أو من العاهات والأمراض .
وأخذت تتكرّر هذه الظاهرة في تاريخ النّاس ، وتتّسع دوائرها ، حتّى
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 98
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٩٨