تقبل بها العقول السّويّة السليمة ، وتوطئة لمواجهة المشركين المعاصرين للتنزيل فمن يأتي بعدهم بالخطاب المباشر ، مع ما يتضمّن الحديث عن الغائبين من خطاب المعاصرين بصورة غير مباشرة .
فقال اللّه عزّ وجلّ :
أَ يُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ
( 191 ) ؟
صدّرت هذه الآية باستفهام يتضمّن استثارة العجب من فعل المشركين الأولين ، الذين ضرب اللّه عزّ وجلّ مثالا من أمثلة شركهم ، في الآية السابقة ، فقد كان هؤلاء المشركون الأوّلون يجعلون للّه عزّ وجلّ شركاء لا تخلق شيئا ، فهي لا تنفع ولا تضرّ .
ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً :
جاء التعبير باسم الموصول « ما » الّذي يستعمل غالبا فيما لا يعلم ولا يعقل ، للدّلالة على أنّه ليس من صفات الشّركاء الذين اتّخذوهم شركاء للّه أن تخلق شيئا ، بمعنى أن تبدع شيئا ، أو توجد شيئا بخصائصها الذّاتية .
أي : ليس لشركائهم صفات تستطيع أن تخلق حتّى يصحّ أن تكون شركاء للّه في ربوبيّته ، وحتّى يصحّ أن تتّخذ آلهة مع اللّه ، تعبد وتدعى ، ويتقرّب لها بالقرابين .
وَهُمْ يُخْلَقُونَ :
أي : وهؤلاء الشركاء من الإنس والجنّ والملائكة يخلقون خلقا من بعد خلق ، ما داموا في الوجود ، لأنّ إبقاء المخلوق في الوجود ، إنّما يكون بإمساكه فيه ، وهذا الإمساك ظاهرة من ظواهر الخلق المتتابع ، فمن أمسك شيئا وحمله ، واستمرّ يمسكه محمولا ، فإنّه يحمله مع اللّحظات لحظة فلحظة ، إذ يمدّه بالطّاقة الّتي يبقى بها محمولا .
ومن كان أصله العدم ، فإنّ إبقاءه في الوجود يحتاج إلى إمداد متتابع ، وإمساك متتابع ، وفي اللحظة الّتي ينقطع عنه فيها الإمداد والإمساك يرجع إلى أصله ، وهو العدم .