أما السؤال عن الحكمة الرّبانيّة من تحديد عدّة « التسعة عشر » فهو يجرّ أسئلة لا حصر لها ، حول أنظمة اللّه عز وجل في الأعداد التي جعلها ضمن أنظمته التكوينيّة للكائنات كلّها ، كأعداد السماوات السّبع ، وأعداد أبواب جهنم ، وأعداد أبواب الجنّة ، إلى غير ذلك من كلّ ما هو خاضع لأنظمة عددية ، مما يلاحظه العلماء في العناصر الكونية ، وفي الذرّات ، وفي الخلايا ، وفي الحواس ، وفي أنظمة العظام والسّلاميّات والأسنان إلى ما لا تستطيع الخلائق حصره .
وأخيرا فإنّ هذه الفتنة الاختباريّة ينتج عنها ظهور فريقين من الممتحنين .
الأول : فريق يضلّ باختياره الحرّ ، فيضلّه اللّه بحكمته ، أي : يحكم عليه بالضّلال ، استنادا إلى واقع حاله ، وحكم اللّه عزّ وجلّ بضلال هذ الفريق يتمّ بمشيئته المطلقة ، التي لا يجبره عليها شيء ، لكن تقتضيها حكمته ، ومعلوم أنّ حكمته من صفاته سبحانه .
الثاني : فريق يهتدي إلى الحقّ ويؤمن باختياره الحرّ ، فيهديه اللّه بحكمته ، أي : يحكم له بالهداية ، استنادا إلى واقع حاله ، وحكم اللّه بهداية هذا الفريق يتمّ بمشيئته المطلقة ، التي لا يجبره عليها شيء ، لكن تقتضيها حكمته ، ومعلوم أن حكمته من صفاته سبحانه .
فقال اللّه عزّ وجلّ : ( كذلك ) أي : كذلك الحكم على الذين كفروا في هذه الفتنة الاختباريّة في موضوع الملائكة التسعة عشر بالضلال ، والحكم للّذين آمنوا بالهداية ، والّذين دلّ عليهما ذكر فريق بعنوان :
« الَّذِينَ كَفَرُوا » *
وذكر فريق آخر بعنوان :
« الَّذِينَ آمَنُوا » *
يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ
أي : في سائر صور الاختبار في الحياة الدنيا للمكلّفين من ذوي الإرادات الحرّة الموضوعين موضع الابتلاء فيها .