ويأتي بمعنى شدّة الحرّ ، يقال : سقرته الشمس إذا ضربت دماغه وأذابته ، وجاء فيها عن « سقر » أنّ عليها تسعة عشر معذّبا لتعذيب أهلها .
فقال أبو الأشدّين الجمحيّ وكان قويّا شديد البأس : أنا أكفيكم سبعة عشر ، واكفوني أنتم اثنين ، فأنزل اللّه قوله في السورة :
وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ
أي : وما جعلنا عدد المشرفين على تعذيب المعذّبين في سقر محدّدا بمقدار قليل هو تسعة عشر إلا امتحانا فيه إغراء الذين كفروا بالاستهانة بهذا العدد القليل ، حتى قال أبو الأشدّين ما قال ، وهذا الامتحان الإغرائي أحد معاني الفتنة ، وأحد صور الابتلاء .
ولدفع توهّم أنّ هؤلاء التسعة عشر أمثال البشر ، أبان اللّه عز وجل أنّهم ملائكة ، والمشركون يعلمون أنّ الملائكة أصحاب قوى عظيمة ، فمنهم من يدمّر المدن وينسف الجبال نسفا .
وأضاف في أواخر الآية قوله :
وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ
أي :
إنّ هؤلاء التسعة عشر من الملائكة الذين هم المشرفون على تعذيب المعذّبين في سقر هم بعض جنود ربّك ، أمّا سائر جنوده فهم كثيرون جدّا ، ولا يعلمهم جميعا ولا يعلم أعدادهم إلا اللّه وحده .
وهذه الفتنة نفسها تجعل الذين أوتوا الكتاب من علماء اليهود والنصارى يستيقنون بأنّ القرآن حقّ وأنّ الرسول محمدا صادق فيما يبلّغ عن ربّه ، إذ هم يعلمون من كتبهم هذا العدد ، ولكنّ الذين كفروا منهم يجحدون ولا يعترفون في ألسنتهم بما استيقنته قلوبهم ، وفي بيان استيقانهم