وكلّ من الابتلاء بالنّعم والمصائب يدخل في مفهوم الخير المطلق ، إذ هو وسيلة لتحقيق التمييز بين الطيّب والخبيث من النّفوس ، وهذا التمييز هو من الخير ، واللّه عزّ وجلّ لا يصدر عنه إلا الخير ، والشرّ المطلق المحض لا يكون من اللّه ولا يصدر عنه سبحانه ، لكن قد يصدر عنه ما يسمّيه الناس في عرفهم شرّا ، إذ هو وسيلة مؤقّتة لتحقيق الخير العظيم الجليل .
الحكمة الثانية : « التربية والتأديب » :
هذه الحكمة تشمل المكلّفين ومن هم خارج دائرة التكليف ، كالأطفال الذين لم يبلغوا مبلغ الامتحان والتكليف .
فالنّعم والمصائب التي يتعرّض لها كلّ الناس صغارا وكبارا ، ضمن مجاري سنن اللّه وقوانينه العامّة ، قد تكون الحكمة منها تربية وتأديب من تنزل بهم .
إنّ مما يدركه الحكماء من المربّين المؤدّبين أنّهم قد يربّون من يتولّون تربيتهم وتأديبهم ، بما يحبّون أحيانا ، وبما يكرهون أحيانا أخرى ، وما يكرهون قد يكون هو خيرا لهم ، وما يحبّون قد يكون هو شرّا لهم ، لو عقلوا وتدبّروا النتائج والعواقب .
إنّ الناشئ الذي لا يتعرّض لما يكرهه ولما يؤلمه ، لا يكون في المستقبل رجلا قادرا على تحمّل ما قد يواجه من مصائب الحياة ومؤلماتها .
وإنّ الناشئ الذي لا يذوق طعم ما يحبّ أحيانا ثم طعم ما يكره أحيانا ، لا يكون إنسانا سويّا ، قادرا على أن يواجه ألوان تصاريف اللّه في كونه ضمن سننه العامّة .
ونلاحظ أن الضّبّاط العسكريّين الذين يشرفون على تربية وتأديب الجنود ، قد يحمّلون جنودهم أعباء شديدة ، ويكلفونهم القيام بأعمال شاقّة