ومن خلفهم ، ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربّهم ؟ ! ! !
أقول :
إنّ اللّه عزّ وجلّ قد أقام الكون كلّه ما هو غير منظور منه لبعض خلقه ، وما هو منظور ، وفق نظام الأسباب والمسبّبات ، وهو سبحانه يجري مقاديره من داخل قنوات الأسباب ، ويربط النتائج والمحاسبات ، والأحكام ، والأقضية ، والجزاءات ، وفق ما تقدّمه الأسباب والمسببات من بيانات عن الواقع ، فهو سبحانه يحاسب ويحكم ويجازي بناء على ما تثبته الأدلّة السببيّة من علم ، ولا يبني على علمه الخاصّ المحيط بكلّ شيء ، ليعطي الولاة ، والقضاة ، والحكّام ، من عباده أسوة من نفسه جلّ جلاله ، حتّى لا يحكموا على العباد من خلال علمهم الخاصّ ، بمن يحكمون له أو عليه .
وسنن اللّه عزّ وجلّ في كونه سنن ثابتة ذات شمول عام ، وكون الملائكة معصومين ، لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، وكون المختارين منهم للقيام برسالاته ، هم أكثر عصمة عن المعاصي ، لا يتنافى مع إجراء الأنظمة السّببيّة ، التي جعلها اللّه عزّ وجلّ من سننه الثابتة .
وقد تدلّ إحاطتهم بالرّاصدين لهم ، المراقبين لأعمالهم ، على احتمال تعرّض الملائكة المختارين للخطأ ، أو السّهو ، دون قصد منهم ، وهذا لا يسمّى معصية ولا مخالفة لأوامر اللّه ، فتكون وظيفة الرّصد لفت النّظر للخطأ غير المقصود ، أو للسّهو الذي لم يأت عن تهاون .
وقد يدلّ أيضا على احتمال تتبّع الجنّ لهم وهم في الأرض لاستراق السّمع منهم ، أو لعرقلة بعض أعمالهم ، ولا سيما إذا كانوا من الشياطين ، فتكون وظيفة الرّصد طرد هؤلاء عنهم ، أو تنبيههم عليهم ، حتّى يؤدّوا رسالات ربّهم كاملة ، وبغاية الدّقّة ، دون تفريط ولا غلوّ في صغير ولا كبير .
واللّه أعلم بمراده .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 643
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٦٤٣