ويوجد قسم عظيم من عالم الغيب اختصّ اللّه عزّ وجلّ به نفسه ، ومنه طائفة من تراتيب قضائه وقدره ، لأحداث المستقبل .
وإنّ الغيب الّذي انفرد اللّه عزّ وجلّ بالعلم به ، فأضافه إلى نفسه ، بقوله :
فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً
هو غيب قضت حكمته جلّ جلاله ، أن لا يطلع عليه أحدا من خلقه إلّا من ارتضى من رسول قضت حكمته بأن يكلّفه القيام برسالة ما حوله .
ومن غيبه جلّ جلاله مقادير إهلاك قوم ما ، أو مقادير نصر قوم ما ، ومواقيت تنفيذ ما وعد من خير أو شر بحسب حكمته .
ويوجد غيب لم يطلع اللّه عزّ وجلّ عليه أحدا ، مثل وقت قيام السّاعة ، فهي لا تأتي إلّا بغتة .
فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ :
أي : فلا يطلع عليه . يقال لغة : أظهر فلانا على السّرّ ، أي : أطلعه عليه .
أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ :
أي : إلّا من رضيه باختيار حكيم فجعله رسولا ، لأداء رسالة ما تتعلّق بالغيب الّذي أظهره عليه .
وسنّة اللّه المعروفة لنا أن يكون هؤلاء الرّسل من الملائكة ذوي المكانة فيهم ، وقد يكون من غيرهم لعموم اللفظ في النص . وهو يدلّ أيضا على أن اللّه عالم الغيب على اختلاف تنوّع الغيوب بالنسبة إلى الخلائق .
* * *
قول اللّه عزّ وجلّ :
فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً ( 27 ) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً
( 28 ) .