يعود على : ربى . وقرأ رويس عن يعقوب : [ ليعلم ] بالبناء لما لم يسمّ فاعله ، وبين القراءتين تكامل فكريّ ، أي : ليعلم اللّه ، وليعلم من قبل المختّصّين بهذا العلم من أهل الملأ الأعلى .
وهذه العبارة جاءت بمثابة جواب لسؤال يقال فيه : لم هؤلاء الراصدون من الملائكة ؟ والجواب :
لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ .
وقد يقول قائل : أليس اللّه عزّ وجلّ عليما بكلّ حركاتهم وسكناتهم ، ومحيطا بكلّ شيء علما ، فلا تخفى عليه خافية .
والجواب : بلى ، وهذا ما دلّ عليه البيان في النّص ، على سبيل الاستدراك لدفع توهّم حاجة اللّه سبحانه وتعالى إلى تحصيل هذا العلم عن طريق الرّاصدين ، وهو قول اللّه تعالى فيه :
وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً
( 28 ) .
الإحاطة بالعلم بالشّيء ، هي العلم المستغرق كلّ صغيرة وكبيرة .
فهو جلّ جلاله محيط علما بكلّ ما لديهم من عمل ، وقول ، وخاطرات ، وأحاديث نفس ، ودقّة في التّنفيذ ، أو خلاف ذلك ، فلا يعزب عن علمه سبحانه مثقال ذرّة في كلّ الأكوان ، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر ، مع كلّ زمن حتّى أصغر أجزاء الثانية .
وعبارة :
وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ
تشمل أيضا إحاطته به ، بقدرته وسائر صفاته ذات الهيمنة على أكوانه ، والتّصريف فيها على ما يشاء .
وقد يقول قائل : بما أنّ اللّه - جلّ جلاله وعظمت حكمته - محيط بكلّ أجزاء كلّ شيء هذه الإحاطة الشاملة ، فما الحكمة من أن يسلك رصدا من بين أيدي الّذين يرتضيهم من رسله لإطلاعهم على بعض غيبه ،