من عالم الشهادة إذا رأيناه ، ويبقى ما لا ندركه منها ضمن أمور الغيب .
والشيء الواحد قد يكون غيبا بالنسبة إلى من لم يدركه بإحدى حواسّه إدراكا مباشرا ، وقد يكون مشهودا بالنسبة إلى من أدركه .
إنّ معظم ما في أجسادنا وما في الجبال وما في باطن الأرض ، وما في السّماء ، وكلّ ما هو بعيد عن مجال إدراكنا الحسّيّ المباشر ، ولو كان من الممكن أن ندركه بحواسّنا ، أو بإحداها ، هو غيب عنّا حتى ندركه ، فإذا أدركناه ببعض حواسّنا إدراكا مباشرا صار بالنّسبة إلينا أمرا مشهودا ، ويبقى بالنسبة إلى من لم يدركه إدراكا مباشرا بإحدى حواسّه أمرا من أمور الغيب عنه .
وكانت الجراثيم بالنسبة إلى أبصار النّاس أشياء من عالم الغيب ، ولمّا وجدت المجاهر الّتي تكبّر الأشياء آلاف المرّات من أحجامها الحقيقيّة ، صارت من الأشياء الّتي يمكن رؤيتها بالأبصار بوساطة المجاهر ، فمن رآها بمجهر منها فقد أدرك ببصره مخلوقات حيّة ، هي من عالم الغيب بالنسبة إلى أبصار النّاس العاديّة دون استخدام المجاهر .
وقد يكون الشّيء من أمور الغيب عن حواسّنا ، لكنّنا ندرك وجوده ووجود بعض صفاته ببراهين عقليّة ، والإدراك بالبرهان العقليّ لا ينقل الشيء من عالم الغيب إلى عالم الشهادة ، لكن يجعله معلوما بعد أن كان غير معلوم .
إنّنا ندرك بعقولنا وفق ما تلزمنا به البراهين القواطع ، وجود الرّبّ الخالق - جلّ جلاله وعظم سلطانه - وندرك طائفة من صفاته ، ونؤمن إيمانا راسخا بما أدركناه ، وهذا من الإيمان بالغيب ، لأنّ هذا الإدراك قد أكسبنا علما ، لكنّه لم يكن إدراكا بالحسّ المباشر ، فهو من العلم بالغيب ، والإيمان بالغيب ، بالنسبة إلى حواسّنا .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 638
مساهمون: عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
ص٦٣٨