روي أنّ كفّار قريش قالوا للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم : إنّك جئت بأمر عظيم ، وقد عاديت النّاس كلّهم فارجع عن هذا فنحن نجيرك .
فاقتضى هذا أن يبيّن لهم أنّه مسؤول تجاه ربّه عن تبليغ ما يأمره بتبليغه للنّاس ، وإن لم يقم بهذا الواجب العظيم ، فإنّ اللّه يعاقبه عقابا شديدا ، ولن يجيره فيحميه من عذاب اللّه أحد ، ولن يجد من دون اللّه مكانا يميل إليه ، ويلتجئ فيه ، ليدفع عن نفسه عذاب اللّه ، لو أنّه ترك دعوته إلى دين ربّه ، وكفّ عن القيام بأداء رسالته ، فأنزل اللّه عزّ وجلّ عليه هذا التعليم .
قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي :
أي : قل يا محمّد إنّي أأكّد لكم أنّي إذا استجبت لطلبكم فلن يمنعني ولن يحميني من عذاب اللّه الشّديد أحد في الوجود كلّه ، وإنّي أخاف من عذابه .
أصل هذا التعبير أنّ العرب كانوا يحمون ويمنعون من يدخل في جوارهم ممّن يريده بشرّ ، لأنّ جارهم عزيز بهم ، وكان عزيز القوم إذا أعلن أنّ فلانا جار له ، فقد أعلن أنّه يمنعه ويحميه ، كما يمنع أهله ويحميهم ، ويقال لكلّ من المستجير والمجير : « جار » .
وكان متى قال أحد يخاف على نفسه في مجتمع عربّيّ أنا جار فلان ، وكان ذلك الرّجل عزيزا في قومه ، فإنّ أحدا لا يستطيع أن يمسّه بما يكره ، وإن فعل نصره المستجار به بكلّ ما يملك من قوّة وعزّة .
مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ :
أي : لن يجيرني من عذاب اللّه وعقابه وانتقامه منّي أحد ، وإنّي أخاف من عذاب اللّه .
« لن » أداة نفي فيها معنى تأكيد النّفي ، ويفهم التأبيد هنا من أنّ اللّه عزّ وجلّ القادر على كلّ شيء الأزليّ الأبديّ هو المخوف من عذابه .
وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً :
أي : ولن أجد من شيء في الوجود