تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 624

مساهمون:

ص٦٢٤
ولا يخفى ما في هذا الإعلان من سياسة حكيمة مهدّئة لقلق المشركين ، وثورتهم ضدّه ، ومبرّدة لحرارة الحماسة لتجميع القوى ، وإعداد العدّة ، إذ لا يملك محمّد والّذين آمنوا به واتبعوه من الوسائل المادّيّة ما يخشون تفاقمه الآن ، فما الدّاعي إلى القلق الدّافع إلى اتّخاذ القوى المادّيّة قبل أن توجد المشكلة في الواقع ؟
وَلا رَشَداً :
أي : ولا أملك وسلية ألزمكم بها إلزاما قسريّا إكراهيّا أن تكونوا راشدين ، مسلمين ، متّبعين صراط الهدى ، ضامنين لأنفسكم سعادة الدّارين . لقد جعل اللّه الناس في الحياة الدّنيا مخيّرين غير مجبورين ، ليمتحنهم ويبلوهم فيما آتاهم ، ثم ليحاسبهم ، ويفصل القضاء بينهم ، ثمّ يجازيهم على ما قدّموا في رحلة امتحانهم . هذه المقالة تدلّ على أمرين : الأمر الأوّل : أنّه لن يلزمهم يوما ما على الإيمان به واتّباعه ، وهذا يزيد في تبريد حرارة حماستهم لمقاومة دعوته وقمعها . الأمر الثاني : أنّه يحمّلهم مسؤوليّة اختيارهم الحرّ تجاه ربّهم ، الّذي سيحاسبهم وسيجازيهم يوم الدّين ، وربّما يعجّل لهم بعض العقاب في الحياة الدّنيا ، كما عجّل لكفّار القرون السابقة ، الّذين طغوا وبغوا في الأرض . * * * قول اللّه عزّ وجلّ خطابا لرسوله :
قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً ( 22 ) إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً
( 23 ) :