تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 622

مساهمون:

ص٦٢٢
جمّعتهم جموعكم لحربي ، ومقاومة دعوتي ، ومهما تلبّدتم عليّ ، متواطئين ضدّي ، وضاغطين على صدري ، لقطع أنفاسي ، وإسكان لساني . لقد أشعر هذا القول :
إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً
مع قرينة تلبّد كبراء مشركي قومه بأنّهم طالبوه بإلحاح أن يكفّ عن دعوته إلى الدّين الذي جاءهم به عن ربّه ، وإلّا قاوموه بقوّة ، أو أنزل به آلهتهم شرّا ، وأشعر أيضا عن طريق اللّزوم الفكريّ بأنّه لا يخشى منهم ولا من آلهتهم ، فآلهتهم باطلة لا يؤمن هو بها ، ولا يخشى شرّا يأتيه من قبلها ، إذ لا ربّ في الوجود إلّا ربّ واحد ، وهو سبحانه الإله الأحد ، الّذي لا شريك له ، ولا والد ، ولا صاحبة ولا ولد . وهو لا يخشى أيضا منهم ، لأنّ ربّه الّذي كلّفه القيام برسالته سيحميه . وأخّر اللّه عزّ وجلّ بحكمته ، تعليم رسوله ما يجيبهم به إجابة صريحة ، على تهديدهم العمليّ له ، بما يجمّعون من جموع لمقاومة دعوته ، وربّما اقترن بهذا التّهديد العمليّ منهم تهديد قوليّ أيضا ، إذ جاء في هذا الدّرس التعليميّ ما يدلّ على أنّ اللّه لم يأذن له بمقاومتهم مقاومة دفاعيّة مسلّحة ، وجاء فيه ما يشعر بأنّه يؤثر تحمّل أذاهم ، وتحمّل اضطهادهم لضعفاء المؤمنين ، مهما بلغ ذلك ، إذ هو يحمي نفسه من عقاب اللّه الشّديد الّذي يستحقّه لو كفّ عن دعوته ، ولم يصدع بما أمره اللّه أن يصدع به . ونحن نعلم من سيرة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ العهد المكّيّ كان عهد سياسة الصّبر وتحمّل الأذى ، وكفّ الأيدي عن مقاومة القوّة المادّيّة بقوّة مادّية مسلّحة . * * * قول اللّه عزّ وجلّ خطابا لرسوله :
قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً
( 21 ) :