إذا تأمّلنا بتدقيق في الطّور الّذي وصل إليه المشركون أعداء دعوة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم بمكّة ، إبّان نزول سورة ( الجنّ ) وجدنا أنّهم ، مع تخوّفهم من تفاقم دعوته وتكاثر أنصاره - ما زالوا يشعرون بأنّ الرّسول والّذين آمنوا معه ، لا يملكون في ذلك الوقت قوى دفاع تحصّنهم من قوى مشركي مكّة ، لو اجتمعوا عليهم ، وأعدّوا العدّة لقمعهم ، لكنّ أمرهم يتفاقم يوما فيوما ، فهم لا بدّ أن يتخوّفوا من احتمالات المستقبل ، وعليهم أن يسارعوا حتّى يتداركوا الأمر قبل أن يستفحل ، ويفلت زمامه من أيديهم .
والسّياسة الحكيمة في مواجهة هذا الطّور الّذي بلغه مشركو مكّة ، تقتضي إعطاءهم جرعات تهدئة تخدّرهم ، وتبرّد لهيب توجّسهم من احتمالات تفاقم قوّة الرّسول والّذين آمنوا معه .
فحينما يقول لهم :
إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا
كما أمره اللّه عزّ وجلّ أن يقول لهم ، فإنّ هذا القول يوقع في مشاعرهم أنّه ما زال بعيدا بعدا كبيرا عن الاستعداد لمقارعتهم بقوّة دفاعيّة ، فتبرد حماستهم ، ويتوقّف ولو إلى حين تجمّعهم للقمع ، ولإعداد القوى القتاليّة لإيقاف امتداد القوّة الإسلاميّة .
إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا :
أي : ماذا أفعل معكم ، وحالي أنّني لا أملك في مقابلة تلبّدكم مجتمعين ضدّ دعوتي ، وسيلة مادّيّة أضرّكم بها ضررا ما ، لأمنع بها تألّبكم عليّ وعلى الّذين آمنوا بي واتّبعوني ، وأنا لا أستطيع أن أعصي ربّي بالتّوقّف عن تأدية رسالاته الّتي اصطفاني لها ، وأمرني بأن أقوم بأدائها ؟
ويطوي الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم في نفسه أنّ اللّه عزّ وجلّ لم يأذن له بعد بذلك ، ولم يأذن له بعد بإعداد العدّة له ، وأنّ اللّه سيأذن له مستقبلا بقتالهم ، حينما تكون الظروف مواتية ، وتكون احتمالات النّصر مرجوّة ضمن سنن اللّه السّببيّة في كونه .