وبين القراءتين تكامل في أداء المعنى المراد ، فقراءة الجمهور دلّت على علم اللّه خاصّة ، وقراءة « رويس » دلّت على وجود هذا العلم عند غير اللّه كالملائكة المكلّفين أن يسجّلوا أعمال العباد .
تمهيد :
هذا الدّرس الثالث من دروس السورة ، درس يعلّم اللّه عزّ وجلّ فيه رسوله ما يقوله لكفّار قومه ، في المرحلة الّتي نزلت فيها سورة ( الجنّ ) . في مواجهة الطّور الّذي وصلوا إليه ، حتّى كادوا يكونون متألّبين جماعات على عداوته ، ومقاومة دعوته ، واضطهاد الّذين آمنوا به واتّبعوه ، وهذه الجماعات متكاثفة متلبّدة كتلبّد الصّوف ، أو الشّعر حين يتراكب بعضه على بعض ، كما سبق بيانه في الدرس الثاني من دروس السورة ، لدى تدبّر قول اللّه عزّ وجل :
وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً
( 19 ) .
إنّ هذا الطّور يستدعي مقالات يوجّهها الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم لرافضي الاستجابة لدعوته ، يبيّن لهم فيها مسؤوليّته تجاه ربّه ، وخوفه من مخالفة ما كلّفه اللّه إيّاه من تبليغ دينه ، ويحذّرهم فيها من عاقبة معصيتهم للّه ولرسوله ، ويجيبهم فيها على تساؤلاتهم المتعلّقة بما كان قد أنذرهم به ، من انتصار الحقّ الذي جاء به عن ربّه ، على باطلهم المصرّين على الالتزام به بعناد واستكبار ، وما وعدهم به من انتصار من آمن به منهم ، على من كفر ووقف مواقف العداء ، والاستعداد للمقاومة والحرب ، حتّى كادوا يجمّعون جماعاتهم اللّبد لقمع دعوته ، واضطهاد أنصاره الذين آمنوا به واتّبعوه ، اضطهادا يوقف مسيرة دعوة الإسلام وانتشارها .
وكلّ قول يقوله الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم لكفّار الإنس ، هو قول موجّه أيضا لكفّار الجنّ ، لأنّ الجنّ في قضايا الدّين وبلاغاته تابعون لنظرائهم من الإنس في رسالة محمّد صلّى اللّه عليه وسلم ، الخاتمة لرسالات اللّه لعباده .