هذه العبارة تصف المرحلة الّتي وصل إليها مشركو مكّة من تاريخ دعوة الرسول محمّد صلى اللّه عليه وسلم ، وقد جاءت بعدها مراحل أشدّ منها .
ولدى ملاحظة تشبيه مقاومي دعوة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم في أواسط المرحلة المكيّة باللّبد ، ومن معاني اللّبد جمع « لبدة » وهي الشعر المتراكب بين كتفي الأسد ، نجد إيحاء بأنّ جماعات مقاومي دعوته ، ولو وصلوا حتّى صاروا لبدا بالفعل ، فإنّهم لن يضرّوه شيئا ، لأنّهم سيكونون باجتماعهم عليه مثل لبدة الأسد بالنّسبة إليه ، فاللّه عزّ وجلّ حاميه ، وناصر دينه وخاذل كلّ من يعاديه ويقاوم دعوته ، ويضطهد الّذين آمنوا بهه واتّبعوه ، وهذا هو الذي تحقّق فيما بعد .
فالمعنى الذي نستخلصه من قول اللّه تعالى :
وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً
( 19 ) كما يلي :
وأنّه لمّا نهض عبد اللّه محمّد بهمّة وحزم وعزم وحكمة وصبر ودأب ، متحلّيا بالعبوديّة الاختياريّة الكاملة لربّه ، يبلّغ كتاب اللّه الّذي يتنزّل عليه ، ويدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة ، مطبّقا بذاته أحكام الإسلام وشرائعه ، فاستجاب لدعوته من قومه فريق صالحون مؤمنون مجاهدون ، وصار أمره مخوفا بالنّسبة إلى كبراء قومه المشركين ، إذ صاروا يحذرون من انتشار دعوته أن يفقدوا مكاناتهم ومصالحهم وزعاماتهم .
لمّا حصل ذلك تنادى هؤلاء الكبراء الكافرون لمقاومته ، وإسكات دعوته ، واضطهاد الذين آمنوا به واتّبعوه ، فأخذوا يحاولون تجميع جماعات متكاثفات متلبّدات ، بغية الإحاطة بالرّسول حول رقبته ، كإحاطة لبدة الأسد حول رقبته .
وبالنظر إلى السّور الّتي نزلت قبل سورة ( الجنّ ) في نجوم التنزيل ، نجد أنّ هذه الآية ، تتحدّث عن طور تطوّرت إليه مواقف كبراء مشركي مكّة