أمّا العبوديّة الجبريّة للّه عزّ وجلّ فهي وصف ملازم للأنس والجنّ والملائكة ، ولكلّ حيّ ، لأنّهم جميعا خلقه ، فهو بمقتضى خلقه لهم هو مالكهم ، وبمقتضى سلطانه عليهم دواما ، وإمداده لهم بالبقاء دواما ، وبمقتضى خضوعهم لمقاديره دواما ، فهم عبيده دواما عبوديّة جبريّة ، لا يستطيع أحد منهم الخروج عنها طرفة عين ولا أقلّ من ذلك ، فالكفّار والفجّار عبيد للّه بالقهر .
وأمّا تحقّق المؤمنين بالعبوديّة الاختياريّة ، فهو في الغالب من أحوالهم ، وفي معظم أفرادهم ، تحقّق ناقص ، لوفرة ما يرتكبون من المعاصي والآثام والخطايا .
وقد شرّف اللّه عزّ وجلّ الرّسل والأنبياء في القرآن المجيد بالعبوديّة الاختياريّة الخاصّة ، ذات الدرجات القريبات منه جلّ جلاله .
ومنح بفضله جميع المؤمنين المتقين عبوديّة ذات تفضيل ما ، بحسب مراتبهم ودرجاتهم في الإيمان والتقوى ، والبرّ والإحسان .
والقرائن في النّصوص تدلّ بإشاراتها على مستوى المرتبة والدّرجة في العبوديّة التّشريفيّة الّتي يمنحها اللّه لعبده ، أو لطوائف وزمر من عباده .
وممّن منحهم اللّه - جلّ جلاله وعظم سلطانه - مرتبة عبوديّة تشريفيّة رفيعة جدّا :
( 1 ) رسول اللّه محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، ومن أوضح النصوص الدّالّة على هذه المرتبة العظيمة والدّرجة الرّفيعة فيها ، قول اللّه عزّ وجلّ في سورة ( الإسراء / 17 مصحف / 50 نزول ) :
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ
( 1 ) .