الإعراض ، عن ذكر الإدبار والتّولّي ، لأنّ ذكر الأخفّ يدلّ على الأشدّ من باب أولى عقلا .
فمن يعرض عن ذكر ربّه طوال حياته ، ويأته أجله وهو على إعراضه ، وتنزل به منيّته ، يسلكه ربّه عذابا صعدا ، أي : يدخله كما يدخل السّلك في الثّقب الضّيّق لتعذيبه في جهنّم تعذيبا شديدا ، وليذوق بهذا الإدخال عذابا شديدا ، جزاء إعراضه عن دعوة ربّه له ، وعدم استجابته لنداء الدّعاة إلى دين اللّه ، واتّباع كتابه القرآن المجيد .
يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً :
يقال لغة : « سلك الشّيء في الشّيء سلكا فانسلك » أي : أدخله فيه فدخل .
قال ابن الأعرابي من أئمة اللّغة : سلكت الطّريق ، وسلكته غيري ، فجعل من استعمالات فعل « سلك » أنّه يتعدّى إلى مفعولين ، فإذا كان فعل « سلك » يتعدّى بنفسه إلى مفعولين كما ذكر ، فكلمة
عَذاباً
مفعول به ثان .
وإذا كان فعل « سلك » لا يتعدّى إلّا إلى مفعول به واحد ، فكلمة
عَذاباً
منصوبة بنزع الخافض ، والأصل : « في عذاب » .
أي : في محيط به يذوق منه عذابا دواما .
ويمكن أن تكون العبارة جارية على تضمين فعل
يَسْلُكْهُ
معنى فعل « يذيقه » والتقدير : يسلكه مذيقا إيّاه عذابا . وهذا التضمين كثير في القرآن ، إذ تغني الجملة الواحدة به عن جملتين ، ذكر من إحداهما عاملها ، وذكر من الأخرى معمولها ، وهذا من بدائع الإيجاز في القرآن .
ومعنى العبارة عموما : يدخله مكرها في مكان ضيّق من جهنّم يعذّبه به عذابا شديدا .